الجمعة، 6 مارس، 2009

كتاب سرعة البديهة للامام تقي الدين النبهاني

تَقي الدين النبـهَاني






سرعة البَديهَة

بسم الله الرحمن الرحيم

سرعة البديهة

سرعة البديهة هي إصدار الحكم على الأشياء بسرعة خاطفة بناء على إدراك سريع خاطف. فمثلاً حين يسألك فلان من الناس من أين أنت؟ أدركتَ بسرعة خاطفة قصده من السؤال، وعما يكمن وراء هذا السؤال، فحكمتَ بسرعة خاطفة على السؤال، وبذلك تكون لديك سرعة بديهة، وبناء على سرعة البديهة هذه أجبتَ السائل الجواب الذي ينبغي في مثل هذه الحال. ومثلاً حين تسمع خبر زيارة أحد المسؤولين لبلد ما، أدركتَ من سماعك هذا الخبر غاية هذه الزيارة بسرعة خاطفة، وبذلك تكون لديك سرعة بديهة، وبناء على سرعة البديهة هذه عيّنتَ لنفسك الإجراءات التي تلزم في هذا المجال. ومثلاً حين تفاجَأ بدخول شخص عليك لم تكن تنتظر قدومه أدركت بسرعة خاطفة سبب قدومه عليك، وبذلك تكون لديك سرعة البديهة. وبناء على سرعة البديهة قمت بالإجراء المتفِق مع هذا الإدراك السريع.
فسرعة البديهة وإن كانت تعني بالأصل سرعة الإدراك أو سرعة التفكير، ولكنها تعني سرعة الحكم على الشيء الذي واجهك بناء على سرعة الإدراك. فالأصل وإن كان هو السرعة في الإدراك أو السرعة في التفكير، ولكن المقصود من ذلك هو السرعة في الحكم، فتكون سرعة البديهة هي سرعة الحكم على الأشياء، لأن الحكم على الأشياء هو الإدراك أو هو التفكير وإن كان ذلك نتيجة الإدراك ونتيجة التفكير.
فالبديهة تعني الإدراك القطري، أو الإدراك الطبيعي.
وبغض النظر عن معنى البديهة في اللغة، أو البداهة، فإن ما يراد منها في هذا المجال هو الحكم الطبيعي أو الفطري والإدراك الطبيعي أو الفطري. وإنّما قلتُ الطبيعي أو الفطري، لأنه لا يحتاج إلى تأنّي وإعمال ذهن، بل هو يأتي تلقائياً وبشكل آلي، كأنّ سماع الخبر أو السؤال، أو المفاجأة هو وحده حلّ محل كل شيء يقتضي الإدراك أو التفكير، وأصدر الحكم فوراً. ولذلك فإن سرعة البديهة أو سرعة الحكم بشكل خاطف تتنافى مع التفكير البطيء، وإن كانت لا تتنافى مع التفكير العميق أو التفكير المستنير. لأن المهم هو السرعة، وليس المهم مصدرها.
فمثلاً في سؤالك: من أين أنت؟ فكرتَ بشكل سريع في السائل وفي صيغة السؤال وفي ظرف السؤال، فوصلتَ إلى المقصود من هذا السؤال. وهذا التفكير عميق، لأنه ليس من السهل أن تفكر في السؤال وفي السائل وفي الظرف الذي جرى به هذا السؤال، بل ليس من السهل الوصول إلى الغاية أو القصد من هذا السؤال. فسرعة البديهة هذه جاءت من التفكير العميق.
ومثلاً في سماعك خبر زيارة فلأن، فكرتَ بشكل سريع في الزائر، ودولته، وما سبق هذه الزيارة، وما ينتج عنها، فوصلتَ إلى المقصود من هذه الزيارة، وهذا تفكير مستنير، لأنك فكرتَ بالأشياء وما حولها وما يتعلق بها فأصدرتَ حكمك. فسرعة البديهة هنا جاءت من التفكير المستنير.
ومثلاً في مفاجأة زيارة فلان لك، استغربتَ هذه الزيارة في هذا الوقت، فكان هذا الاستغراب وحده هو الذي أرشدك إلى القصد من هذه الزيارة. فهذا تفكير عادي، ليس عميقاً ولا مستنيراً، ولكن السرعة في إصدار الحكم بناء على السرعة في الإدراك أو التفكير، هي التي جعلت سرعة البديهة موجودة وليس التفكير نفسه أو نوعه. وعلى ذلك فإن سرعة البديهة إنّما تأتي من سرعة التفكير بغض النظر عن هذا التفكير، سواء أكان عميقاً أو مستنيراً أو عادياً. فالمهم هو السرعة، وليس مصدر التفكير.
وعليه فإن سرعة البديهة تنافي التفكير البطيء ولكنها لا تنافي التفكير العميق، ولا التفكير المستنير، ولا التفكير العادي، فالمهم فيها هو السرعة فقط. وسرعة البديهة أمر ضروري للشعوب والأمم، وللأفراد والجماعات والكتل، لأن سرعة البديهة لازمة لخوض معترك الحياة، سواء من أفراد آخرين أو مع شعوب وأمم أخرى أو مع رعاية الشؤون، لأن خوض معترك الحياة يقتضي النجاح فيه أمران: أحدهما، سرعة إصدار الحكم على الأشياء واتخاذ الإجراء المقتضى إزاءها، وإذا لم يفعل ذلك فإنه يخفق ويجابَه بما يثقل الحمل عليه، وكلما مر الزمن ازداد الحمل ثقلاً وكلما تضاعقت المعوقات، وهذا يجعله يخفق في معترك الحياة. والثاني، هو أن الفرص التي تسنح للمرء في معترك الحياة هي التي تجعله ينتقل من عليّ إلى أعلى بسرعة، فيقطع بذلك مسافات، فإذا لم يغتنم هذه الفرصة ضاعت عليه، وربما لا تعود، وبذلك يُحرم من الانتفاع بهذه الفرصة، وإذا تتالى ضياع الفرص، فقد السرعة بالانتقال من حال إلى حال، فيظل مكانه فيجمد، ويخفق في معترك الحياة، وكل ذلك سببه عدم سرعة البديهة.
ولذلك فإن سرعة البديهة ضرورية للنجاح في معترك الحياة. وإذا كان التعليم والتفكير من حيث هو، والإعداد، والاختراع، والصناعة، والتجارة والزراعة، وغير ذلك إنّما هو من أجل النجاح في معترك الحياة. فإن هذا وأمثاله لا قيمة له إذا لم تصحبه سرعة البديهة. ولذلك فإن من جُملة ما تُعنى به الدول والشعوب والأمم في محاربتها لعدوها أن تسبب له الشلل في العمل. ولا يوجد أخطر من سرعة البديهة في ذلك، ولهذا فإنها أي الشعوب والأمم والدول تُعنى بإزالة سرعة البديهة من عدوها حتى يصاب بالشلل، ويفقد القدرة على الإنتاج في العمل وتضيع عليه الفرص واحدة تلو الأخرى، فيسهُل حينئذ القضاء عليه ثم استعماره والاستيلاء عليه، وبسط النفوذ فوق ربوعه.
والغرب، وإن كان قد بدأ الغزو الثقافي للبلاد الإسلامية ولرعايا الدولة الإسلامية، ولكنه حين بسط سلطانه عليها بدأ إغراءها بالعقل والتفكير، بغية إفقادها سرعة البديهة، وإشغالها بالتفكير، وقد نجح في ذلك نجاحاً منقطع النظير حتى باتت في حالة تكاد تكون مشلولة. فقد شغل الناس جميعاً في التأنّي وعمق التفكير والتروّي، والانتظار، حتى أخفقوا في معترك الحياة، بل أخفقوا في طرد سلطان الاستعمار ونفوذه رغم الثورات والحروب التي خاضوها معه. فإنهم في كل مشكلة صغيرة كانت أو كبيرة يلجأ الواحد منهم إلى التروي والتفكير حتى يضيع الوقت وتضيع الفرصة المتاحة، وكم من فرصة ضاعت ولم يهتبلوها فضاع عليهم الانتقال السريع من حال إلى حال، حتى وصل بهم الحال إلى حد الغرق في الفلسفات الآلية فشُغلوا بها، فغَمُض عليهم الأمر، وفقدوا الوضوح، وذلك من انشغالهم في الفلسفات الآلية.
نعم إن هناك أموراً لا بد من فلسفتها، وهذه الأمور هي الأمور العميقة، وغير البسيطة، مثل النهضة، ومثل التحرير، ومثل المناورات، وما شاكل ذلك. فهذه الأمور لا بد من فلسفتها، والتعمق في بحثها، وعدم الاكتفاء بظاهرها. أمّا الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى تفكير، يزيدها غموضاً وإبهاماً، وذلك مثل الكرسي، والفنجان، والصحن، وما شاكل ذلك، فهذه الأمور أو الأشياء لا يصح التفكير بها، ولا فلسفتها، بل تؤخذ كما هي ويُكتفى بذكرها، أو مجرد ذِكر أسمائها. وهذا ما يسمى بالفلسفة الآلية. فالفلسفة الآلية أو التفكير الآلي هو فلسفة الشيء الظاهر، والذي لا يختفي منه شيء، ولا يُفهم كما هو إلاّ بمجرد ذكره، فالكرسي: هو كرسي، إذا فلْسَفْتَه، أو فكرت فيه فقد ازداد غموضاً، وأصبحت لا تفهمه، وكلما زدته فلسفة كلما ازداد غموضاً.
الغرب حبّب إلينا العقل والتفكير والتأنّي والدراسة والحسابات وما شاكل ذلك، حتى فقدنا سرعة البديهة، بل تجاوزنا ذلك إلى الفلسفة الآلية (قيل لبعضهم: قوموا بمغامرة، فلماذا لا تقوموا بمغامرة، فكلمة مغامرة تعني الإقدام على العمل دون حساب. ولكن هؤلاء القوم فلسفوا المغامرة فلسفة آلية، فقالوا: نحن لا نقوم بالمغامرة الطائشة بل مستعدون أن نقوم بالمغامرة المحسوبة، أو المدروسة)، فكان قولهم هذا فلسفة للمغامرة، وهو من قبيل الفلسفة الآلية. فالمغامرة إذا اتُخذت لها حسابات، أو إذا دُرست، لم تكن مغامرة. ففلسفة المغامرة أبعدت تصورها وأخرجتها عن حقيقتها. وهكذا الفلسفة الآلية. فإذا كان الناس صاروا من أنفسهم يسيرون في الفلسفة الآلية، فبعيد عليهم سرعة البديهة.
صحيح أن التفكير أمر لا بد منه، والتروي ضروري، وقديماً قيل: العجلة من الشيطان. ولكن ذلك إنّما يكون في الأمور التي تحتاج إلى درس وتمحيص ولا يكون فيما لا يحتاج ذلك. وكذلك ما يحتاج إلى درس وتمحيص إنّما يُدرس ويُمحص إذا لم يفُت أوانه، أو إذا كان الظرف مواتياً للتفكير، أمّا إذا كان الظرف غير موات للتفكير، وكان التفكير يضيّع الفرصة، أو يؤدي إلى الهلاك، فإنه هنا لا ينقذ إلاّ سرعة البديهة. لذلك فإن سرعة البديهة لازمة للشعوب والأمم، والجماعات والتكتلات، للنجاح في معترك الحياة، بل إن وجودها ضروري للنجاح في معترك الحياة، وهو شرط من شروط هذا النجاح.
إن أحوال الحياة وأمورها متعددة ومتشعبة، ومسالكها مختلفة، وعرة وسهلة، ميسورة وصعبة، والوقت من ذهب، بل أغلى من الذهب، فلا بد من مراعاة الحال، والظرف، والأمر. فإذا احتاج إلى تفكير لا بد أن يُفَكر فيه، وإذا احتاج إلى سرعة البديهة فلا بد من سرعة البديهة، يُستعمل كل وضع بما يقتضيه.
ونحن لا نقول بأن كل شيء يُقضى بسرعة البديهة، فهناك أمور كثيرة لا تُقضى بسرعة البديهة، بل لا بد فيها من التفكير، ولكن كذلك هناك أمور كثيرة يضرها التفكير، وتحتاج إلى سرعة البديهة. فمثلاً التعريفات، والأحكام الشرعية، والأمور الفنية، لا تُحل جميعها إلاّ بالتفكير، ولا دخل لسرعة البديهة بها، بل لا يصح أن تدخلها. ولكن جميع المفاجآت، وجميع الأسئلة الخبيثة الصادرة عن قصد، وجميع الأمور العاجلة، كلها لا بد لها من سرعة البديهة، ولا يصح بها التفكير، بل يجب إبعاده عنها. ويُخشى إذا دخلها التفكير أن يزيدها غموضاً، أو يُبعد الفرصة عن الناس، أو يكشف حقيقة المفكر، ويصيبه الضرر من ذلك. فالحياة فيها ما لا بد فيه من التفكير، وفيها ما لا بد فيه من سرعة البديهة ولا يصح فيه التفكير، فتُسلك الحياة ويخاض معتركها بما تقتضيه الحال. وإذا كانت البلاغة هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، فكذلك خوض معترك الحياة هو مطابقة التصرفات لمقتضى الحال: فإن كانت تقتضي تفكيراً، استُعمل التفكير، وإن كانت تقتضي سرعة البديهة اتّبعت سرعة البديهة. فكما أن التفكير لازم لمعترك الحياة بجميع أنواعه، فكذلك سرعة البديهة لازمة للحياة.
ونحن لا ننتقد التفكير، لأنه ضروري للحياة، ولكن ننتقد التفكير الآلي، وننتقد خلو الحياة من سرعة البديهة.
إن التفكير ضرورة من ضرورات الحياة، وإذا قيل إن الإنسان حيوان ناطق فذلك يعني أنه حيوان مفكر، والذي يميز الإنسان عن غيره إنّما هو التفكير، والعقل بمعناه الحقيقي إنّما يعني التفكير، والحيوان وإن كان لديه دماغ ولكنه لا يفكر، فليس لديه عقل، لأن وجود الدماغ وحده لا يكفي لوجود عملية تفكير، بل لا بد من أشياء أخرى. لذلك فإن التفكير من حيث هو إنّما هو خاصية من خواص الإنسان، فلا يمكن أن يوجد إنسان دون تفكير، أي دون عقل. فالتفكير من حيث هو لا يمكن أن ينعدم من الإنسان. لهذا فإن مهاجمة التفكير غير واردة، بل المهاجَمة منصبّة على التفكير البطيء، أي على عدم سرعة البديهة، لأن سرعة البديهة أو التفكير السريع أمر ضروري للسير في معترك الحياة، فضلاً عن النجاح في هذا المعترك.
وسرعة البديهة هذه فيها ثلاثة أمور: أحدها، تعريفها، أي ما هي؟ والثاني، واقعها عملياً، فإنه وإن كان تعريفها أو معرفة مما هي قد يُرشِد إلى واقعها عملياً، ولكنه غير الواقع. فمثلاً حين تُفاجأ بشيء يقتضي منك أن تعيّن موقفك تجاهه، فإن هذه العملية تتجلى فيها سرعة البديهة، ولكنها غير سرعة البديهة، لأن سرعة البديهة فيها هي أن تُصدر حكماً عليها بشكل سريع وخاطف، يقرر لك هذا الموقف الإجراءات التي تتخذها، أو يجب أن تتخذها تجاه هذه المفاجأة. أمّا هي فإن المفاجأة نفسها: إما مفاجأة بسؤال لم يكن يخطر بالبال أو لم يكن في الحسبان، وإما بعدوّ في مكان غير منتَظر أن يكون فيه، وإما بمشكلة لم يكن يخطر بالبال وجودها. هذه المفاجأة أو هذا الواقع هو محل عمل سرعة البديهة، وليس هو سرعة البديهة نفسها. أمّا الأمر الثالث، فهو أمثلة من الحياة عن الاثنين: عن الواقع الذي حصلت فيه سرعة البديهة، وعن سرعة البديهة نفسها. أمّا الأمثلة من الإجراءات فإنها وإن كانت مفيدة ولكنه لا ضرورة لها، لأن الإجراءات قد تختلف في الواقع الواحد، أو في سرعة البديهة في المرة الواحدة نفسها.
وما دمنا قد عرّفنا الفرق بين سرعة البديهة وبين التفكير، لا بد أن نعرف كيف نوجِد سرعة البديهة عند الناس، أي كيف نربي سرعة البديهة في الناس، ولا سيما الناس الذين لا توجد لديهم سرعة البديهة.
والجواب على ذلك هو أن الناس قسمان: أحدهما أصحاب البحث العلمي ومن هم على شاكلتهم، وأولئك هم الذين عملهم الاشتغال في التفكير، وذلك كرجال البحث العلمي، وكالسياسيين غير التقليديين. والثاني هم عامة الناس، أي غير هؤلاء سواء أكانوا متعلمين أو غيرهم. ويلحق بهم السياسيون التقليديون. فهؤلاء هم الناس في الأمّة. لأن الأمّة إما أن يكون عمل رجالها الأصلي هو التفكير، وإما أن يكون عملها الأصلي هو الأعمال المادية، ولا يخرج الناس عن هذين القسمين: وكل من القسمين يختلف وضعه عن الآخر. فلا بد أن يختلف العمل معه في إيجاد سرعة البديهة لديه أو تربية سرعة البديهة فيه، لأن من هو متعود على التفكير غير من يكون التفكير طارئاً عليه. لذلك يختلف العمل في كل منهما. أمّا الناس ومنهم السياسيون التقليديون فإن العمل لإيجاد سرعة البديهة لديهم أسهل منه لدى مَن عمله الأصلي هو التفكير، وذلك أن الناس يكون التفكير لديهم طارئاً وليس أصلياً، وبما أنهم مفكرون فطرة، أي أن الإنسان حيوان ناطق أي مفكر، فإن العمل لديهم يكفي فيه التعويد أو العادة على سرعة البديهة، فتصبح طبيعية لديهم حتى في عملهم الذي يقومون فيه.
فمثلاً النجارون والحدادون والعمال وأصحاب الحرف والمزارعون والبسطاء من الناس وأمثالهم، يجري معهم العمل في إعطائهم أمثلة يجيبون عليها من أعمالهم، ثم يتدرج الأمر معهم إلى ما هو أعقد.. وهكذا، بشكل متتابع، فإنه تصبح سرعة البديهة لديهم عادة أو طبيعية. فمثلاً يقال لهم: إذا فاجأتك مشكلة في عملك فكيف تحلها؟ فإذا أجاب عدة مرات جواباً صحيحاً، فإنه يسهُل معه بعد ذلك الانتقال إلى ما هو أعقد. وإذا أجاب جواباً واحداً صحيحاً أو خطأ ولكنه لم يكرره مرة أخرى، فإنه على أي حال يحتاج إلى الموافقة على الجواب الصحيح ليكرره، أو تصحيح الجواب الخطأ لئلا يقع فيه مرة أخرى. وهكذا يجري التكرار حتى يستقيم الأمر، ثم ينتقل معه إلى ما هو أعقد. وهذا كله أمر سهل وميسور. والقول له: إذا فاجَأَتكَ مشكلة فماذا تعمل مثلاً، لا يجب أن يكون قولاً شفوياً بل يجوز أن يكون خطياً، والمهم هو سلوك التربية عن طريق طرح الأفكار على الناس بشكل جماهيري، والبُعد عن التربية الفردية. فأي شيء ينتج عنه التربية الجماعية أو طرح الأفكار على الناس يُتّبع، سواء أكان بشكل خطي كالمنشورات والكتب والرسائل والنشرات الصغيرة وما شاكلها، أو كان بشكل شفوي كالحديث والخطابة والمحادثة والنصح والإرشاد وما شاكل ذلك. فكِلا الأمرين فيه طرح أفكار للناس، وفيه التربية الجماعية. والمهم فيه هو مادة الحديث أو مادة الكتابة، بأن تكون فكراً ثم يجري العمل على أساس هذا الفكر، ولا شك أنه لا بد أن يكون فكراً ثم يجري العمل على أساس هذا الفكر، ولا شك أنه لا بد أن يكون فكراً ليس محل نقاش بين السائل والناس، بل يكون فكراً مسلَّماً بصحته بين الجانبين، أي أن يكون مفهوماً لا مجرد فكر، لأنه ليس المراد إقناعه بالفكر بل المراد هو معرفة تصرفه وكيفية أخذه للأفكار التي يعالج بها المشاكل. فهذا التصرف، أو كيفية الأخذ هو الذي يكون محل العلاج، أي هو الذي يُعرف عنه أو به وجه الصحة ووجه الخطأ، والتكرار والوقوف ثم المساعدة على التكرار، ثم الانتقال إلى ما هو أعقد وأصعب.
فعامة الناس لا يحتاج الأمر معهم في إيجاد سرعة البديهة لديهم إلاّ جعلها عادة لديهم أو طبيعة لهم، وحينئذ توجَد سرعة البديهة في الناس. وإذا كان من المستحسن أن يُفصَّل نوع الفكر ويُعرَّف، لا أن يكون مبهماً أو غامضاً، مثل: إذا واجَهَتكَ مشكلة فكيف تحلها؟ فيقال للمزارعين مثلاً: إذا لم ينزل المطر وليس باستطاعتك أن تقوم بالمطر الصناعي فماذا تفعل تجاه زرعك؟ فإن أجاب بسرعة، كانت لديه سرعة البديهة، وإن لم يُجِب، أو أجاب ببطء وبعد الدراسة، فإنه لا تكون لديه سرعة البديهة. إذا كان من المستحسَن هذا التفصيل، فإنه مع الناس ليس مهماً، لأن الناس يأخذون الأمور ببساطة، ويفهمون ما يفهمون من الغامض والمُبهَم، والمهم هو جوابهم، أو تتبّع جوابهم. لذلك لا توجد صعوبة في تعويد الناس على سرعة البديهة، وفي إيجادها فيهم. ولكن الصعوبة هي مع غير هؤلاء، أي مع الذين هم من رجال البحث العلمي (الأكاديميين) والسياسيين العقائديين غير التقليديين. أي الصعوبة موجودة مع مَن عملهم هو الفكر أو العلم وليس الأعمال المادية، فهؤلاء لا بد من العناية الكافية في أمرهم، وفي إيجاد سرعة البديهة لديهم، لأنها وإن كانت قد توجد لدى بعضهم، ولكن عملهم الأصل فيه عدم وجودها. ولذلك لا بد من البحث عن موضوعهم، لأنه هو محل الحديث.
وقد يبدو للوهلة الأولى أنّ عيش الإنسان في أخطار، هو سبب وجود سرعة البديهة، وذلك لكثرة المفاجآت، وكثرة طروء الأشياء التي تحتاج إلى سرعة بديهة. وقد يبدو أن الممارسة والتمرين والعادة هي التي توجِد سرعة البديهة. والحقيقة أن هذين الأمرين يساعدان على إيجاد سرعة البديهة، ولكنهما أو أياً منهما لا يوجِدها، لا لدى الذين يعملون في الفكر كالأطباء والمهندسين والمعلمين ومَن شاكلهم، ولا لمن يعملون بالأعمال المادية كالنجاريين والحدادين والعمال ومَن شاكلهم. وذلك لأن عيش الإنسان في أخطار يساعد على سرعة البديهة، وأن ممارستها والتعود عليها يجعلها طبيعية وينميها ويساعد على إيجادها، ولكن أي منهما لا يوجِدها أبداً من حيث هي، ولا من حيث سرعة التفكير.
أمّا إيجاد سرعة البديهة لدى الذين يشتغلون بالأعمال المادية وهم الأغلبية الساحقة من الأمّة أو الشعب، فهذه سبق أن قلنا إن إيجادها إنّما يكون بالتربية الجماعية، أي بإيجاد الأفكار التي توجِدها، مثل السؤال عما يفعله؟ لِم حصلت له مفاجأة؟ وما شاكل ذلك. أمّا إيجادها لدى الذين يعملون بالفكر، وذلك كالمعلمين والسياسيين العقائديين، فإن إيجادها فيهم أبسط من أي شيء، وذلك أن يُحث هؤلاء على سرعة البديهة. فسرعة البديهة مع كونها من الأمور العميقة والتي يصح أن تدخلها الفلسفة والتفكير، ولكنها في نفس الوقت من الأمور الآلية، أي تدخل في الفلسفة الآلية، ولذلك يكفي فيها أن تُطلب كما هي، أي يقال للذين يشتغلون بالفكر: لا بد أن يكون لديكم سرعة البديهة، وحينئذ يفهمون من سرعة البديهة ما تعنيه، وما هي عليه، دون الدخول في التفاصيل، ولا الإجابة عن أسئلة، حتى ولا شرح لمعنى سرعة البديهة، لأن هؤلاء يعملون بالفكر وفي الفكر، ومن كثرة عملهم في الفكر، والعلم، والمعرفة، يعتادون على ذلك فتنشأ لديهم من هذه العادة اللجوء إلى التفكير في حل كل مشكلة، ولذلك ينشأ عندهم بطء التفكير، أو التفكير البطيء الذي يحتاج إلى دراسة وتمحيص وحسابات، فإذا قيل لهم لا بد أن تكون لديهم سرعة البديهة، يُسرعون في التفكير، فتتكون لديهم من هذه السرعة في التفكير سرعة البديهة. وإذن فإن الذين يعملون بالفكر وفي الفكر يكفي أن يحملهم على سرعة التفكير، وذلك بأن يقال لهم: لا بد أن تكون لديكم سرعة البديهة، فسرعة البديهة توجد عند هؤلاء، أي عند الذين يعملون بالفكر وفي الفكر، كالمعلمين والسياسيين العقائديين وأمثالهم بحثّهم على سرعة البديهة، أي أن يقال لهم: يجب أن يكون لديكم سرعة البديهة. وهذا وحده كاف لإيجاد سرعة البديهة، ولا يحتاج منهم إلى معاناة، أو أشياء جديدة، بل هم أنفسهم يعملون بالفكر وفي الفكر، فلا يحتاجون إلى شيء لأن عملهم هو الفكر والتفكير، ولكن بسبب مباشرتهم هذا العمل، ولأنه عملهم اليومي، صارت لديهم بحكم العادة والتمرين، مزية التفكير، أو صفة التفكير البطيء، ولذلك يقولون عن كل شيء يُعرض عليهم: هذا يحتاج إلى درس وتمعّن وتقصّي الحقائق، مع أنه قد لا يكون كذلك. فحتى يعتادوا على سرعة التفكير، وحتى يميزوا بين ما يحتاج إلى درس وما لا يحتاج إلى درس، يُطلب إليهم سرعة التفكير، أي يُطلب إليهم سرعة البديهة، ويُحثّون على سرعة البديهة. فهذه السرعة في التفكير هي نفسها سرعة البديهة، وهذه السرعة نفسها حين لا تصطدم بحائط، أو بمعوق، تنتج فوراً الحكم على الشيء بسرعة، فيعرف حينئذ أن ذلك هو سرعة البديهة، أو من سرعة البديهة مما لا يحتاج إلى درس وتمحيص. وحين تصطدم بحائط أو بمعوقات يعرف حينئذ أنها من النوع الذي يحتاج إلى درس وتمحيص، وليس من نوع سرعة البديهة.

الذكاء وسرعة البديهة

عامة الناس أو أكثر الناس، أو أكثر من 90% من الناس هم أذكياء، والنادر منهم من يكون ذكاؤه خارقاً، كما أن النادر منهم هم البُلَداء والأغبياء. وهذا النادر لا حكم له، ولهذا فإن كلامنا إنّما هو عن عامة الناس أو عن أكثر الناس أو أكثر من 90% من الناس. ولا كلام لنا في أصحاب الذكاء الخارق، لأن الذكاء الخارق مِن اُسسه سرعة البديهة، فهي موجودة لديهم فطرياً، فلا كلام لنا بهم. وأمّا البُلَداء والأغبياء فإن علاجهم هو من قبيل العبث، وقديما قيل: "فالج لا تعالج"، لذلك لا نقصدهم، ولا نُعنى بهم. فإنهم سيظلون بُلَداء أغبياء مهما بُذلت فيهم من جهود، وسوف لا ينفع فيهم أي شيء لسرعة البديهة، لا علاج من يعملون بالأعمال المادية مثل النجارين والحدادين ولو كانوا منهم، ولا علاج الذين يعملون بالفكر وفي الفكر مثل المعلمين والسياسيين العقائديين ولو كانوا منهم، لأن عملهم لا يضفي عليهم أي شيء، فإن المشكلة في الفطرة، أي في الأساس الذي خُلقوا عليه، ولذلك فإن علاجنا إنّما يكون لعامة الناس أو لأكثر الناس. والذكاء وإن احتاج إلى تعريف، ولكنه مثل كلمة سرعة البديهة، فإنه قد يكون من النوع الذي يحتاج إلى تعريف، وقد يكون من النوع الآلي. وجعْله كله من النوع الآلي أفضل، وإن كان يُستحسن تعريفه لأنه قد يكون مفيداً، ولكن بقاءه من النوع الآلي أفضل. لهذا فإنا ولو عرّفنا الذكاء، ولكننا نبقى عند حد كونه آلياً، فيكفي أن نطلق كلمة ذكاء لنعرف ما هي، وأكثر الناس يميزون الذكي من غير الذكي، ويميزون الذكاء الخارق عن غير الذكاء الخارق بمجرد معرفة كلمة ذكاء وبمجرد رؤية أو مصاحبة الناس.
والذكاء هو سرعة الإحساس وسرعة الربط. وكل تعريف غير هذا إنّما هو دخول في التفاصيل التي لا فائدة من الدخول فيها. فالعقل هو نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحس، ومعلومات سابقة تفسِّر هذا الواقع. فهذا التعريف للعقل يفسر معنى الذكاء. فسرعة الحس تعني سرعة نقل الواقع إلى الدماغ، والمعلومات السابقة تعني الربط. لذلك كان الذكاء هو سرعة الإحساس وسرعة الربط. فالذكاء نوع من العقل، أو نوع من الفكر، أو نوع من التفكير، فينطبق عليه ما ينطبق على العقل والفكر والتفكير. وهذا إذا أُمعن النظر فيه نجد أنه يعتمد على الحس وعلى الربط، فالسرعة في ذلك تمثل الذكاء، أي عمل العقل الممتاز، أو الفكر الممتاز، أو التفكير الممتاز.
وعلى هذا فالذكاء هو سرعة البديهة. وبما أن الأغبياء أو البُلَداء ليسوا محل بحث لأنه يصعب علاجهم أو يستحيل، والخارقو الذكاء ليسوا موضع علاج لأنهم فطرياً سريعو البديهة، فيبقى العلاج لباقي الناس، أي لعامة الناس وأكثر الناس. وهؤلاء لديهم الذكاء الكافي لسرعة البديهة، والأمر معهم يحتاج إلى علاج. وعلاج سرعة البديهة يعالِج سرعة الإحساس وسرعة الربط، أي يعالج الذكاء. لذلك كان الذكاء وسرعة البديهة توأمين وصِنوَيْن لا ينفصل أحدهما عن الآخر أو لا ينفك عنه. فوجود الذكاء من حيث هو ضروري لإيجاد سرعة البديهة، وانعدام الذكاء ينعدم معه العمل لإيجاد سرعة البديهة، أو تنعدم سرعة البديهة.
ولمّا كان من يعملون بالأعمال المادية، ومن يعملون بالفكر وفي الفكر، يتساوون بالذكاء، فهم جميعاً من عامة الناس، لذلك كان الذكاء لا يعني نوع العمل الذي يقوم به، وإن كان يتصل بالذكاء، بل يعني نفس الشخص العامل ومدى استعداده لتقبّل العلاج، والسير به سيراً حثيثاً. فالذين يُطلب إليهم في العلاج أن يكونوا سريعي البديهة، والذين يدرَّبون على سرعة البديهة بالأسئلة، كل منهم لديه ذكاء فيُستعمل هذا الذكاء في العلاج، إما باستعمال الشخص نفسه لذكائه، وذلك مثل الذين يعملون بالفكر وفي الفكر، أو بجعل الأسئلة التي تلقى على الشخص من النوع الذي يمس الذكاء، وذلك حتى يجري استعمال هذا الذكاء بالضرورة. ولذلك يقال عن الذي يوجه الأسئلة بأنه هو قام باستعمال الذكاء، لأنه باختياره نوع الأسئلة من النوع الذي يمس الذكاء، كان كأنه هو الذي استعمل الذكاء. والحقيقة أنه في كلا الحالين يكون الشخص نفسه استعمل ذكاءه. ففي حالة من يعملون بالفكر وفي الفكر يستعمل الشخص نفسه ذكاءه بنفسه ابتداءً. وفي حالة من يعملون بالأعمال المادية يُثار في الشخص ما يجعله يستعمل ذكاءه. مع أنها في الحالتين واحدة، وهي استعمال الشخص لذكائه بنفسه، إلاّ أنه قد يستعمل هذا الذكاء دون مؤشر أو مؤثر، وقد يستعمله بمؤشر أو مؤثر. هذا هو الفرق بين الاثنين. ولذلك فإن سرعة البديهة تعني الذكاء، والذكاء يعني سرعة البديهة.
ومن هنا كان ارتباط الذكاء بسرعة البديهة ارتباطاً كاملاً، لأن الذكاء يوجِد سرعة البديهة واستعماله هو الذي يبرزها. وسرعة البديهة لا تأتي إلاّ مع الأذكياء، ووجودها يعني وجود الذكاء. فالذكاء وسرعة البديهة شيئان وإن كانا منفصلين، ولكنهما شيء واحد متحد. واستعمال الذكاء هو الأساس في سرعة البديهة. فإذا أردتَ إيجاد سرعة البديهة في الأشخاص، سواء الأشخاص الذين يراد إيجاد سرعة البديهة لديهم من الذين يعملون بأعمال مادية، أي يحتاج إيجاد سرعة البديهة أو استعمال الذكاء إلى مؤشر ومؤثر، أو الذين يعملون بالفكر وفي الفكر أي الذين لا يحتاج إيجاد سرعة البديهة أو استعمال الذكاء إلى مؤشر أو مؤثر، فالأصل في كلٍّ هو استعمال الذكاء. فكيف يمكن استعمال الذكاء، وكيف يجري استعمال الذكاء من قبل الأشخاص؟
والجواب على السؤال الأول وهو: كيف يمكن استعمال الذكاء؟ فالجواب عليه هو: لمّا كان الذكاء هو سرعة الإحساس وسرعة الربط، فإن الإحساس إنّما يأتي من واقع، سواء أكان واقعاً مادياً أو واقعاً فكرياً، فإن هذا هو الذي يوجِد الخطوة الأولى نحو استعمال الذكاء، ألا وهو الإحساس، وسرعة هذا الإحساس إنّما تأتي من الانتباه إلى الشيء المُحَس، أي الذي يجري الإحساس به، فالانتباه لِما يقع تحت الحس أمر ضروري، وهذا الانتباه هو أن يلفت نظرك الواقع الذي يقع تحت إحساسك، فقد تكون راكباً لسيارة في الشارع وترى شيئاً سائلاً يجري في الشارع، فإذا تنبهت أن هذا السائل هو بنزين، وأدركت أنه إن كان كذلك فإنه سيحترق من أقل شيء، فمجرد انتباهك إلى أن ما يجري في الشارع هو بنزين، وإدراكك أنه يحترق، يكون لديك سرعة البديهة بأنك مقبل على خطر، ولذلك يتجه نظرك إلى اتخاذ إجراء للهروب من الشارع, فإذا وُجدت لديك سرعة البديهة هذه اتخذتَ الإجراء للنجاة على الفور، فتخرج من الشارع دون أي إبطاء، أي بسرعة فائقة. أمّا إذا لم تدرك أنه بنزين، أي لم تنتبه إلى أنه بنزين، فإن ذلك لا يجعل لديك الإدراك إلى أنه سيحترق، فتتغلغل في الشارع، وتصبح في وسط النار حين يحترق البنزين، وذلك لأنك لم تكن سريع البديهة، أي لم تنتبه إلى أن ما يجري هو بنزين، وأنه سيحترق، فحينئذ تحترق أنت أو تحترق سيارتك، حيث لم يعد بإمكانك إنقاذ نفسك أو إنقاذ سيارتك. وهذا ناتج عن عدم سرعة البديهة.
فالإسراع بالإحساس إنّما يأتي من الانتباه، فالإسراع بالإحساس بعد الانتباه أو من جرائه هو الذي جعلك تبدأ باستعمال الذكاء. أمّا سرعة الربط، فإنه في المثال المذكور آتٍ من استعمالك لمعلوماتك السابقة بأن البنزين يحترق من أقل الأشياء. هذه المعلومات التي لديك إنّما جرّك إلى استعمالها أو سرعة ربطها بالحادث هو تنبهك إلى أن ما يجري في الشارع هو بنزين وليس قاذورات ولا ماء. فسرعة الإحساس التي جاءت من الانتباه هي السبب في إيجاد الربط، وبالتالي سرعة الربط.
قد يقال إن الخطر من الاحتراق هو الذي أسرع بالربط. والجواب على ذلك هو أن الخطر دافع للإجراء الذي ينبغي أن تتخذه، وليس دافعاً لسرعة الربط، فسرعة الربط إنّما أتت من تنبهك إلى أن ما يجري هو بنزين، فإدراكك أن البنزين يحترق، هو معلومات سابقة، فهي التي جرى ربطها، أو جرى الإسراع في ربطها. فالإسراع في الربط سببه أن الواقع الذي أمامك يحملك على الربط، وهذا هو الذي أوجد الإسراع. وبذلك تعالِج الربط أو سرعة الربط، بعد أن عالجت معرفة ما يجري في الشارع، فوُجد لديك سرعة الإحساس وسرعة الربط، وهذا هو استعمال الذكاء. فاستعمال الذكاء هو التنبه إلى الواقع الذي جرى أو يجري الإحساس به، ثم ربط ما لديك من معلومات سابقة عنه به، فيحصل سرعة الانتباه. فاستعمال الذكاء هو الذي أوجد سرعة الانتباه. ولذلك يقال: إن سرعة البديهة هي استعمال الذكاء أو هي نتيجة لاستعمال الذكاء، فالأصل هو استعمال الذكاء.
وقد يقال إن الأوْلى أن نقول إنه لإيجاد سرعة البديهة لا بد من استعمال الذكاء، وحينئذ نقول لإيجاد سرعة البديهة لدى الناس علينا أن نحملهم على استعمال الذكاء. والجواب على ذلك هو أن استعمال الذكاء إنّما هو الأصل والنتيجة، علاوة على أنه ليس بالأمر السهل. لذلك لا بد من مؤشر أو مؤثر لإيجاد سرعة البديهة، أو يكفي جعل اسم سرعة البديهة شيئاً آلياً يكفي إطلاقه لمعرفته دون أي حاجة لفلسفة أو تفكير. وهذا أقرب لإيجاد سرعة البديهة أو هو الذي يوجِد سرعة البديهة. أمّا استعمال الذكاء فضلاً عن كونه تحليل، وفلسفة، وتفكير، فإنه من الصعب الوصول إليه، فترْكه يأتي عفوياً أفضل من جعله الأساس والسبب، فنجد السعي إليه ضرورياً لإيجاد سرعة البديهة، وقد يوجدها إذا كنا نحن بصددها، وقد لا يوجدها إذا كنا بصدد شيء آخر. وفي كلتا الحالتين جرى استعمال الذكاء، لذلك فإن استعمال الذكاء يجري في كل حال، إلاّ أنه في حال سرعة البديهة إنّما يكون إذا كنا بصددها، أو بصدد البحث عنها. لذلك فإنا لا نُعني أنفسنا باستعمال الذكاء، بل نُعني أنفسنا بغيره، ونجعله يأتي بديهياً وطبيعياً وعفوياً دون أي قصد أو عمل.
واستعمال الذكاء أمر هام جداً لا سيما في سرعة البديهة، إلاّ أن استعماله في سرعة البديهة إنّما يتأتى إذا كان هذا الاستعمال جرى عفوياً وطبيعياً دون تقصّد، لأن التقصّد هو الذي يبعد سرعة البديهة ولا يقربها، ويجعل استعمال الذكاء سبباً لانعدام سرعة البديهة بدل أن يكون سبباً لإيجادها، مع أنه هو الذي يوجدها. ومن هنا قلنا إن سرعة البديهة لا تأتي من استعمال الذكاء مباشرة، بل تأتي من مؤشرات أو مؤثرات، أو تأتي من إطلاق اسم سرعة البديهة، وإن كان استعمال الذكاء يكون سرعة البديهة.
قلنا إن سرعة البديهة لا توجد ولا تُعنى النفس بإيجادها إلاّ لدى الأذكياء، والمراد من الأذكياء هم الأذكياء عادة، أي ذكاء عادياً، لا الخارقو الذكاء، ولا الأغبياء والبُلَداء. والأذكياء يؤلفون الأكثرية الساحقة للأمّة، أو غالبية الأمّة أو أكثر من 90% من أفراد الأمّة. هؤلاء الأذكياء –مهما اختلفت أعمالهم- هم الذين لا بد أن توجَد لديهم سرعة البديهة، وذلك كأمر ضروري لخوض معترك الحياة، لأن الحياة مملوءة بالمفاجآت. فالمعلم مثلاً هو بصدد إيجاد معلومات معينة لدى الطلاب، وعمله هذا هو عمل فكري بحت، أي هو عمل بالفكر وفي الفكر، فالمفاجآت التي تحصل له قد تكون في الدرس نفسه، وذلك بحصول مفاجآت له في ورود معلومات لا يعرفها، أو يعرفها بطريق مخالف لما وجدها عليه، فكيف يتصرف تجاهها؟ فإذا ترك لنفسه أن يفكر أو يدرس أو يبحث فقد تزيد غموضاً عليه، وقد تسبب في غموض معلومات هي واضحة لديه. وقد تحصل له المفاجآت من طلابه، فقد يكتشف أن طالباً يعرفه ذكياً، وهو غبي وبليد، وقد يكون العكس، وقد تحصل من طالب أسئلة تعلّمها أو تلقّنها وظن المعلم أنها منه. وكذلك تحصل مفاجآت مادية للطلاب كأن يُغمى على طالب، أو يخرج طالب ولا يرجع، أو غير ذلك. فمثل هذه المفاجآت إذا حصلت له أو حصل له غيرها، فإنه إذا كانت لديه سرعة البديهة اتخذ الإجراء الموصِل إلى نتيجة يرغب فيها أو تكون هي النتيجة المطلوبة، أو إذا لم تكن لديه سرعة البديهة تورط أو وقع في ورطة، أو اتخذ إجراء يوصل إلى نتيجة عكسية، غير الإجراء الذي يريده هو، أو يتطلبه الموضوع أو العمل.
لذلك لا بد أن تكون لدى المعلمين سرعة بديهة، لأن ما يقع منهم أو عليهم أو لديهم من مفاجآت، لا بد أن يتخذوا إجراء يتفق مع الإنقاذ من هذه المفاجأة، فإذا لم تكن لديهم سرعة البديهة وقعوا في الارتباك، أو اتخذوا الإجراء المُضر، وهو ما يوقعهم هم، ويوقع الأمّة بالهلاك والضرر. ومثل المعلم المهندس والطبيب والسياسي العقائدي وكل من كان عمله بالفكر وفي الفكر. فهؤلاء قد تحصل المفاجآت في الفكر نفسه، أو قد تحصل فيما يتعلق به من أعمال مادية، وبالمادة نفسها التي يستعملها، كالطالب مع المعلم، وكالمريض مع الطبيب، أو كالبيت والخريطة مع المهندس، وهكذا. لذلك لا بد لهم من سرعة البديهة.
ومثل هؤلاء كذلك العمال، والتجار، والمزارعون والعمال، وأصحاب الحرف، فإنه قد تحصل لديهم مفاجآت، وهي لا شك حاصلة في كل شيء في حياتهم العملية، سواء في عملهم الذي يقومون به، أو في غيره. فهذه المفاجآت لا بد من اتخاذ إجراء تجاهها، وهذا الإجراء يتوقف نفسه أو ضرره أو مجيئه في وقته ومحله أو تأخيره عن وقته ومحله، على واقعه، وفرقٌ بين الاثنين. هذا الإجراء يختلف باختلاف الأشخاص الذين لديهم سرعة بديهة أم ليس لديهم سرعة بديهة. فلأجل تصحيح هذا الإجراء، وجعْله أجراءً سليماً كان لا بد من إيجاد سرعة البديهة لدى الجميع، أي لدى كل الناس، سواء أكانوا يعملون بالمادة، أو يعملون بالفكر، وحينئذ يتحقق ما نقصد إليه وهو النفع. ولمّا كان هؤلاء أذكياء، فإن سرعة البديهة لديهم تختلف باختلاف ما لديهم من ذكاء قوة وضعفاً، بل يختلف إيجاد سرعة البديهة لديهم باختلاف ما يتمتعون به من ذكاء قوة وضعفاً، لذلك كان اعتماد سرعة البديهة واعتماد إيجاد سرعة البديهة إنّما هو على الذكاء لدى الإنسان، فالذكاء أو وجود الذكاء ضرورة من ضرورات سرعة البديهة، وبدون الذكاء لا توجد سرعة بديهة ولا يمكن إيجاد سرعة بديهة. فالذكاء هو الأصل، وهو كل شيء في الحياة. ثم إن الإجراء الذي يُتخذ لا بد له من الذكاء. صحيح أن الإجراء إنّما يُتخذ بناء على سرعة البديهة، أو بناء على استعمال الذكاء، ولكن نفس الإجراء وإن كان الدافع إليه هو سرعة البديهة أو استعمال الذكاء، فإنه بحاجة ماسة إلى الذكاء، لأن الإجراء هو النتيجة، وهو الثمرة أو الفائدة لكل ما حصل من سرعة بديهة أو استعمال ذكاء، ولذلك فإنه هام جداً. فالإجراء الذي يُتخذ هام ولذلك يحتاج إلى الذكاء، أي إلى وجود الذكاء الفطري.
ففي مثال البنزين قد اتخذ السائق إجراء الخروج من الطريق بمجرد أن انتبه إلى أن ما يجري في الشارع هو بنزين، وربط ذلك بمعلوماته السابقة أن البنزين يحترق، ولكن خروجه من الطريق وإن كان أوحى به وجود الخطر أو سرعة البديهة واستعمال الذكاء، فقد يكون الخروج نفسه مشكلة، فإنه يوجد ما يمنع الخروج، ويوجد ما يجعل الخروج عسيراً. فهنا لا بد من الذكاء ليتغلب على الصعوبة في الخروج، سواء أكان بوجود ما يمنع الخروج، أو ما يجعل الخروج عسيراً. لذلك لا بد له من الذكاء ليتغلب على ذلك. فهذا الإجراء احتاج إلى الذكاء. لذلك لا بد من وجود الذكاء الفطري في اتخاذ الإجراء، أو لاتخاذ الإجراء.
فحين نقول إن الذكاء هو كل شيء في الحياة، صحيح مائة في المائة، فكما أنه ضروري في سرعة البديهة (وضروري في استعمال الذكاء)، فكذلك هو ضروري في اتخاذ الإجراء. فاتخاذ الإجراء بدون ذكاء قد يكون زيادة في التورط، وقد يكون إنقاذاً من التورط، وأي واحدة من الحالتين يتوقف حصولها على وجود الذكاء. فالذي يتخذ الإجراء الذي ينقذ من التورط، مثل الخروج من الطريق في مثال البنزين السابق، إنّما هو الذكاء. والذي يجعل الإجراء يزيد التورط هو انعدام الذكاء، إذ ما ينفع الشخص إذا أدرك أن ما يجري هو بنزين، وأسرع في ربط أن البنزين يحترق بذلك، ثم توغل في الطريق علّه يجد مخرجاً، ولم يستعمل الذكاء، أو كان غير موجود لديه من الذكاء ما يساعده على التغلب على صعوبات الخروج، فإنه حينئذ لا يتغلب على الصعوبات، لأنه لا يوجد لديه ذكاء يستعمله للخروج من الطريق، أو للتغلب على الصعوبات للخرج من الطريق، فيتوغل علّه يجد مخرجاً، وبذلك يزداد تورطاً، ويقع في الهلاك.
لذلك كان وجود الذكاء أمراً لا بد منه في اتخاذ الإجراء. فالذكاء ضروري في سرعة البديهة، وفي اتخاذ الإجراء المترتب على سرعة البديهة، لأن اتخاذ هذا الإجراء أو ذاك متوقف على الذكاء، فاختيار إجراء معين للخروج من المشكلة، أو من المآزق، أو من الضيق، أمر ضروري، وهو قد يختار أو لا بد له أن يختار. إلاّ أن هذا الاختيار يتوقف على الذكاء، فإن كان ذكياً اختار الإجراء المقتضى، وإن كان غير ذكي اختار إجراء يزيده تورطاً. لذلك كان وجود الذكاء أمراً ضرورياً في اتخاذ الإجراء، ليختار الإجراء الذي ينقذه لا الإجراء الذي يزيده تورطاً. فكما أن الذكاء ضروري لسرعة البديهة فكذلك هو ضروري في اتخاذ الإجراء، بل هو ضروري في كل شيء لأن الذكاء هو الأصل، وهو كل شيء في الحياة.

استعمال الذكاء وسرعة البديهة

قلنا إن استعمال الذكاء هو الذي يوجِد سرعة البديهة، وقلنا إن التنبه إلى الإحساس أو إلى الشيء المُحَس هو الذي تبدأ به سرعة البديهة، وقلنا إن سرعة البديهة هي في اتخاذ الإجراء الذي يكون ثمرة سرعة البديهة. أمّا ما هو استعمال الذكاء، فقد عرّفناه بأنه سرعة الإحساس وسرعة الربط. بقي أن نعرّف كيف تتم سرعة الذكاء، أو كيف يتم استعمال الذكاء؟
فسرعة البديهة هي استعمال الذكاء. فالسرعة في الذكاء لا تأتي طبيعية، وإنّما هي عملية سريعة وشاقة، وسببها هو الانتباه إلى الشيء المُحَس أو إلى الإحساس. فالإنسان العادي ذكي، ولديه من الذكاء ما يكفيه لسرعة البديهة، ولذلك فإن سرعة البديهة وإن كانت تتعلق بالذكاء وترتبط به ولكنها لا توجده، لأن الذكاء فطري في الإنسان، وهو موجود لدى كل إنسان، ولكن الذكاء عملية عقلية، ففيه كل ما تقتضيه العملية العقلية أو كل ما ينطبق عليها. فالواقع ينطبع على الدماغ أو أن الإحساس ينقل الواقع إلى الدماغ، وهذا يجعل المعلومات السابقة مع الإحساس، فتتكون العملية العقلية. وبما أن الإنسان حيوان ناطق أو مفكر، فكل إنسان من حيث هو إنسان يقوم بالعملية العقلية، وهذا يعني أن كل إنسان ذكي، أو لديه كمية من الذكاء تكفيه للحكم على الأشياء. أمّا الذكاء فهو أكثر من العملية العقلية لأنه يتجلى في السرعة، سرعة الاحسانس وسرعة الربط، فإذا وُجدت هذه السرعة وُجد الذكاء، وإذا لم توجد لا يوجد.
والسرعة يجب أن تكون في الاثنين، أي في الربط وفي الإحساس. أمّا السرعة في الربط فإنّما تكون إذا كانت لديه معلومات سابقة عن الشيء، وهذه المعلومات مجرد أن يحصل الإحساس تأتي المعلومات، لأن الإحساس يجلبها أو يقتضيها، وذلك هو ما ينبغي، وهو سرعة الربط. فسرعة الربط تأتي طبيعية إذا كانت المعلومات موجودة، فإن الإحساس نفسه يأتي بالمعلومات ويأتي بها سرعة فائقة. فإذن سرعة الربط لا تحتاج إلاّ إلى الإحساس، فلا تحتاج إلى عامل آخر. أمّا سرعة الإحساس فإنّما تأتي بالانتباه أو سرعة الانتباه. فسرعة الانتباه هي الركيزة الأولى والأساسية لاستعمال الذكاء. لذلك يتركز الأمر على الانتباه، أو على سرعة الانتباه. فيكون الانتباه أو سرعة الانتباه هو الذي يجب أن توجَّه العناية إليه، لأنه هو الذي يوجِد استعمال الذكاء، وبالتالي يوجِد سرعة البديهة. فسرعة البديهة تقتضي استعمال الذكاء، واستعمال الذكاء يقتضي الانتباه أو سرعة الانتباه، لذلك كان الانتباه أو سرعة الانتباه هو القاسم المشترك بين سرعة البديهة واستعمال الذكاء، أو هو الشرط الأساسي في إيجاد عملية استعمال الذكاء، وبالتالي إيجاد سرعة البديهة. لذلك كان لا بد من بحث الانتباه أو سرعة الانتباه حتى يتسنى الوصول إلى معرفة استعمال الذكاء، وبالتالي إلى معرفة سرعة البديهة، وكيف توجد، وكيف تتكون عند الإنسان.
والانتباه، هو أن تتقصد فحص الشيء المُحَس ومعرفته، فما لم يجر هذا التقصد فإنه لا يحصل الانتباه. ففي مثالنا السابق رأى السائق سائلاً يجري في الشارع، فإذا لم يتقصد معرفة ما هو، ومرّ مرور الكرام، فإنه لا يحصل لديه الانتباه، وبالتالي لا يحصل استعمال الذكاء، ولا تحصل سرعة البديهة. فتقصُّد معرفة الشيء ما هو، هي الأساس في العملية كلها. فإذن الأمر الأول هو التقصد، أو القيام بحركة جدية ومرهقة وسريعة لمعرفة ماهية الشيء المُحَس وكنهه، لأنه على هذه المعرفة يتوقف كل شيء. لذلك كانت المعرفة أو تقصُّد المعرفة هو الأساس.
فمثلاً في قصة قسمة سليمان للطفل الذي تدّعيه امرأتان، عرف من هي أم الطفل بشكل سريع في سرعة البديهة، فإن كل امرأة منهما ادّعت أن الطفل ابنها، فأدرك سليمان أن أم الطفل الحقيقية هي التي تفرّط به أن يأخذه أي إنسان ويبقى حياً، وتفضل ذلك على قتله وذهاب حياته، وأن غير أم الطفل لا تأبه لذلك. لهذا عرض على المرأتين أن يُقسم الطفل بينهما، أي يُقتل الطفل، لأن قتله يري أيهما الأم. ولكن لو عرض قتله ربما اصطنعت المرأة غير الأم الحرص على الطفل، ولكنه لم يعرض قتله بشكل مكشوف بل عرض قتله بشكل مبطن، إذ عرض أن يُقسم الطفل بين المرأتين، فرفضت الأم ذلك وقبلته غير الأم، فعرف أيهما الأم الحقيقية للطفل. فالإحساس بأن قسمة الطفل تعني قتله إنّما كانت من الأم ولذلك رفضته. فتسارَع هذا الرفض من الأم والقبول من غير الأم لذهن القاضي سليمان، أي أحس بالقبول والرفض إحساساً فكرياً. فجاءت المعلومات السابقة بمجرد حصول الإحساس، فعرف أن التي رفضته أي رفضت قسمة الطفل هي الأم فحَكَم لها به.
فهذه المعرفة هي نتيجة سرعة البديهة، وسرعة البديهة إنّما جاءت من استعمال الذكاء، واستعمال الذكاء إنّما جاء من الانتباه، والانتباه إنّما هو الذي أوجَد الإحساس، وأوجد سرعة الإحساس، فأدى ذلك طبيعياً إلى سرعة الربط، أي إلى أن تأتي المعلومات السابقة بسرعة خاطفة إلى الذهن. وبعد أن استُعملت سرعة الربط مع سرعة الإحساس، حصلت سرعة البديهة، لأنه حصل استعمال الذكاء، وحصل الإجراء المقتضى، وهو الحكم للأم بأن الطفل هو طفلها. فحادث سليمان هذا يصلح مثالاً للإحساس، كما يصلح السائل على الأرض، وكما يصلح معرفة القصد من السؤال في سؤال من أين أنت، وكما يصلح أي إحساس في أي شيء، سواء أكان مادياً أو كان غير مادي، فالإحساس هو أول عملية، والذي يوجِد الإحساس هو الانتباه، فيحصل من هذا الانتباه الإحساس، وتحصل سرعة الإحساس، فيتداعى معنى إثر معنى على الذهن، ويحصل استعمال الذكاء، وتحصل سرعة البديهة.
فالأصل في ذلك كله إنّما هو الانتباه. أمّا كيف يحصل هذا الانتباه، فإنه يحصل بفعل الحياة، أي يحصل طبيعياً. صحيح أن اليقظة هي التي توجده وترشد إليه، ولكن اليقظة هي ضرورة من ضرورات الحياة، وإن كانت لا توجد إلاّ لدى الأحياء، أي الأحياء حقيقة. فإذا كان زيد من الناس لا توجد لديه يقظة فمعنى ذلك أن حياته هي في خمول أو في نوم أو في موت، وهذا لا يُطلب منه أن ينتبه، وبالتالي لا يُطلب منه أن يستعمل ذكاءه، لأنه غير موجود أصلاً، ما دام ليس متصفاً بالحياة. فالحياة من ضرورياتها أن توجِد لدى صاحبها يقظة، ومتى وُجدت اليقظة أمكن إيجاد الانتباه. فلا يقال إن اليقظة هي التي توجِد الانتباه، بل يقال: يحصل الانتباه. ولا يقال اليقظة، لأن اليقظة ضرورة من ضروريات الحياة، لكن الانتباه إنّما يحصل باليقظة، وربما أنها طبيعية، فكذلك الانتباه يحصل باليقظة أي يحصل بوجود الحياة. فالانتباه إذن هو الأصل وليس اليقظة، لأن اليقظة موجودة بالكائن الحي ما دامت فيه الحياة أو الحيوية. أمّا الانتباه فيحصل بالتقصّد، أي بأن يتعمد الالتفات إلى الشيء المُحَس والانتباه إلى ما فيه أو إلى ماهيته، ما هو. لذلك كان الانتباه هو تقصّد معرفة ما في الشيء المُحس من خواص، أو معرفة ماهيته ما هو، ثم بعد استكمال هذه المعرفة تتم عملية استعمال الذكاء، أو عملية سرعة البديهة. ولذلك كان على صحة هذه المعرفة يتوقف كل شيء، تتوقف صحة عملية استعمال الذكاء، وصحة سرعة البديهة، وصحة الحكم الصادر على الشيء، وبالتالي صحة الإجراء المتخذ تجاه كل ما حصل. ومن هنا كانت أهمية صحة المعرفة تفوق إلى حد كبير أي شيء آخر، لأن ثبوت صحتها هو الذي ينجّي أو يُهلِك، ينجح أو يسقط، يحيي أو يميت. فصحة المعرفة أساس أصلي من الأسس الهامة في الموضوع.
فمثلاً في عملية الإحساس بالسائل الذي يجري على الأرض، فإنه إن كان ماء وظنه بنزيناً فقد خاطر بالهرب، وربما تعرّض لما هو أخطر. ولو ظل سائراً لَما أصابه شيء، لأنه ماء وليس بنزيناً وغير قابل للالتهاب. فكونه تقصّد معرفة السائل ما هو، وانتبه إلى أنه بنزين وليس ماء، معناه أنه تأكد من ماهية الشيء المُحَس، وبناء على هذا التأكد حصلت سرعة الربط وحصل الإجراء المتخذ. كل ذلك إنّما توقف على صحة معرفة الشيء المُحَس، من الانتباه إليه، أو تقصّد معرفته. لذلك فإن استعمال الذكاء ليس كاستعمال أي شيء بل هو استعمال معقد وعميق في وقت واحد. فكونه معقداً آت من تقصّد معرفة الشيء والانتباه له، وهو أمر معقد، لأن الأشياء تشتبه، وتمييز أحدها عن الآخر أمر بالغ التعقيد، ويحتاج إلى سرعة في الوصول إلى هذه المعرفة، وكونه عميقاً آتٍ من حيث سرعة الإحساس، وهذه ليست بهذه البساطة، فهي لا بد فيها من الانتباه، وصحته، واستقامته، وهذا أمر عميق، لأنه لا يكفي فيه أن تحصل سرعة الإحساس فقط، بل لا بد من معرفة هذه السرعة، وهل جاءت من الانتباه، أو من غيره، أو جاءت آلياً مثل سرعة الربط؟ فهذه أمور عميقة. لذلك كان استعمال الذكاء معقداً وعميقاً. وهو عملية شاقة وسريعة. لذلك فإنه يُخشى أن يكون استعمال الذكاء عملية مضلِّلة، وبدل أن تكون هادية تكون مضلِّلة، فلا بد أن تكون عملية سليمة ومستقيمة، ومستوفية شروطها أو شروط صحتها.
وكلمة استعمال الذكاء مثل كلمة بديهة، يصح أن تكون لفظة آلية ليس فيها أي تعقيد ولا تخضع لأي تفلسف، وهذا هو الأصل فيها، وإما أن تكون عملية معقدة، عميقة، ولا بد أن تُستوفى شروط صحتها، وهذا يجعلها مفلسَفة وتحتاج إلى تفكير. وبما أن هذه العملية وإن انطوت على أفكار وعلى تعقيدات ولكنها في حقيقتها هي نفسها فكر، وهي بسيطة لا يصح أن تدخلها التعقيدات، لذلك كان الميل إلى آليتها هو العمل الصحيح. أو هو الأقرب إلى الصواب. ولذلك يقال استعمال الذكاء، ولا يقال غير ذلك، ويُفهم من استعمال الذكاء ما يُفهم من إطلاق الألفاظ، وهذا يكفي أن يمكّن من العمل وأن يمنع الخطأ، لأن ما يُفهم منها عند إطلاقها كاف وحده للقيام بعملية الاستعمال، أي كاف لاستعمال الذكاء، لأن كلمة استعمال تعني تقصّد العمل، وكلمة ذكاء، معروفة من قبل، ولذلك فإن كلمة استعمال الذكاء، الأفضل أن تظل آلية، لا تدخلها الفلسفة، ولا يدخلها التفكير، فيقال استعمال الذكاء، ويُعنى استعمال الذكاء ليس غير.

سرعة البديهة الطبيعية
وسرعة البديهة المصطنَعة

الأصل في سرعة البديهة أن تكون طبيعية، وذلك لأنها تأتي عفوياً، فالخطر أو الخلاص من المأزق هو الذي يجعل سرعة البديهة موجودة، وهو يأتي طبيعياً، لأن الخطر يقتضي الحكم السريع لاتخاذ الإجراء السريع للخلاص من الخطر، وكذلك سرعة البديهة في الخلاص من المأزق. وهكذا كل شيء من هذا القبيل. إلاّ أن الغرب حين غزا العالم الإسلامي أو المسلمين، جاء بأفكار تقضي بالتفكير البطيء، وعدم التسرع في إصدار الحكم، وحين غزا البلاد الإسلامية سياسياً واستولى عليها صار يطبق عمليا عملية التفكير البطيء والدرس، فقلّده المسلمون، وتقليد الضعيف للقوي أمر بديهي، لذلك فإن الأفكار الأولى التي كانت تؤخذ، ولكن بحذر وشك، فإنها صارت تطبَّق عملياً، فنشأ عن ذلك التفكير البطيء، وصار كل شيء يقتضي الدرس والتمحيص، حتى الأمور الآلية التي لا يصح أن تُفلسف ويُفكَّر فيها صارت موضع الدرس والفكر والبحث، فنشأ عن ذلك التفكير البطيء، وصار طبيعياً لدى الناس، ولا سيما الذين يعملون بالفكر وفي الفكر، ففقدوا بذلك سرعة البديهة، بل تكاد أن تكون معدومة، اللهم إلاّ في حالات الخطر الشديد.
لذلك صار لا بد من عمليات مصطنَعة لإيجاد سرعة البديهة. وحتى استعمال الذكاء، وهو أمر طبيعي وينبغي أن يكون طبيعياً، صار لا بد له من عملية مصطنَعة. لذلك صار لا بد من اصطناع عملية لاستعمال الذكاء، ولا بد من عملية لإيجاد سرعة البديهة. إلاّ أن هذه العملية في شقيها لاستعمال الذكاء وسرعة البديهة، لا بد أن تتحول من عملية مصطنَعة إلى أمر بديهي وطبيعي، لأن سرعة البديهة لا بد أن تكون طبيعية، ولا يصح أن تكون دائماً مصطنَعة. فالاصطناع إنّما هو من أجل أن تكون سرعة البديهة لدى الإنسان طبيعية وعفوية، لهذا فإن سرعة البديهة الطبيعية أو البديهية هي الأصل، وهي التي ينبغي أن تكون، وما الاصطناع إلاّ وسيلة من وسائل إيجاد سرعة البديهة الطبيعية وإبعاد الاصطناع عنها. لهذا كانت سرعة البديهة الطبيعية هي الأصل، وهي التي ينبغي أن تكون، وسرعة البديهة المصطنَعة هي خلاف الأصل، وهي التي لا يصح أن تكون إلاّ وسيلة محركة، وأداة لإيجاد سرعة البديهة الأصلية. لذلك فإنه حين يقال: سرعة البديهة، إنّما يُقصد سرعة البديهة الطبيعية أو العفوية، ولا يطلق لفظ سرعة البديهة إلاّ عليها. لأن سرعة البديهة هي سرعة الحكم على الشيء، وهذا لا يتأتى إلاّ طبيعياً وليس مصطنَعاً، لأن الاصطناع يُفقده الفائدة ويُفقده الإجراء المقتضى، لأن الاصطناع هو حالة بين التفكير البطيء والتفكير السريع، بل هو حالة لنقل التفكير البطيء إلى التفكير السريع، وهذه الحالة مؤقتة، ولا بد أن تكون مؤقتة، وهو وسيلة وليس غاية، ويجب أن يكون وسيلة، وأن يظل وسيلة.
من هنا نجد أن سرعة البديهة الطبيعية هي الأصل، أو يجب أن تكون وأن تظل هي الأصل، لهذا فإن الحديث إنّما يكون عن سرعة البديهة الطبيعية، ولا يكون عن سرعة البديهة المصطنَعة. ولكن لمّا كان الواقع هو أن الناس في هذه المنطقة، أو المسلمون بنوع خاص، لا يزالون يتمسكون في التفكير البطيء، ولا تزال بعيدة عنهم سرعة البديهة، لذلك كان لا بد من إيجاد سرعة البديهة المصطنَعة، ولا بد من العمل بها ولها، ولذلك لا بد من الحديث عن سرعة البديهة المصطنَعة كوسيلة وأداة، لا كغاية من الغايات. وعملية سرعة البديهة المصطنَعة إنّما تبدأ باستعمال الذكاء، واستعمال الذكاء نفسه وإن كان ينبغي أن يكون طبيعياً، ولكنه من جراء عملية الغزو الثقافي، والغزو السياسي صار استعمال الذكاء مصطنعاً، ولذلك لا بد من أن يكون البدء باستعمال الذكاء مصطنَعاً، أي لا بد من الاصطناع باستعمال الذكاء، والاصطناع بإيجاد سرعة البديهة، فلا بد من الاصطناع في كل شيء، أي لا بد من التعمد والقصد من أجل إيجاد الاصطناع، ولا بد من الاصطناع من أجل استعمال الذكاء، وبالتالي من أجل إيجاد سرعة البديهة، والمواصلة والمتابعة في هذا العمل حتى تكون سرعة البديهة طبيعية، بعد أن يصبح استعمال الذكاء أمراً طبيعياً.
ولمّا كان الاصطناع هو التعمد والقصد، فصار لا بد من الاصطناع، أي لا بد من التعمد والقصد. والسؤال الذي يَرِد الآن: بماذا نتعمد ونقصد، أي ما الذي نتعمده ونقصده؟
والجواب على ذلك هو أن الحديث يبدأ عن استعمال الذكاء. وبما أن استعمال الذكاء يبدأ بالانتباه، فلا بد من التعمد والقصد في الانتباه، وهذا التعمد والقصد وإن كان يمكن أن يأتي بالتدريب والتعليم، ولكنه أن يأتي طبيعياً كذلك أفضل، ولهذا فإنه يأتي عن طريق طرح الأفكار وجعل الناس يأخذونها إذا اعتقدوا بصحتها، أي إذا صارت لديهم مفاهيم، فيقال للناس لا بد أن يكون لديهم تعمد وقصد في الانتباه، فهم إذا واجهوا أي شيء يتقصدون ويتعمدون الانتباه له فيدركون الأمور، أي يبدؤون باستعمال الذكاء بشكل مصطنع، ثم يصير ذلك بديهياً لديهم. وهذا يوجِد لديهم مع التكرار والزمن سرعة البديهة. لذلك كان التعمد والقصد هو الركيزة الأولى، ولكن لا بالتدريب والتعليم، بل بإعطاء الأفكار للناس لتصبح مفاهيم لديهم، أي إعطاءها مصحوبة ببراهينها، إما لفظاً، أو على وجه يجعل دليلها واضحاً من مجرد إطلاقها، ومتى أصبحت لديهم مفاهيم ضُمن حينئذ أخذها، واستعمالها، فضُمنت حينئذ عملية استعمال الذكاء. ومتى ضُمنت هذه فقد وُجدت سرعة البديهة، وهي وإن كان وجودها في أول الأمر مصطنَعاً ولكنها مع التكرار والزمن تصبح طبيعية، لذلك فإن التعمد والقصد يضمن إعطاء سرعة البديهة الطبيعية وليس المصطنَعة فحسب.
ففي مثال البنزين والسيارة السابق، هو سرعة بديهة، ولكنه أتى من الخطر الداهم، أو من الوقوع في مأزق خفي، ولكنه كذلك قد يكون من التعمد والقصد. فإذا وُجد التعمد والقصد، أي الانتباه عند الناس، فإنهم إذا وقعوا في مثل هذه الحالة: حالة البنزين، فإنهم ينتبهون إلى تفحص السائل الذي يجري على الأرض، أكان عن تعمد وقصد، وإن كانوا قد عرفوا ذلك، وإما من الخطر نفسه، أو المأزق الذي وقعوا فيه. فإن كان من الخطر أو من المأزق فلا كلام لنا فيه، وإن كان عن تعمد وقصد، فهو محل البحث، وذلك أن هذا التعمد والقصد يوجِد الانتباه، وبالتالي يوجِد استعمال العقل، أو استعمال الذكاء. فتحصل سرعة البديهة لديهم.
وفي مثال حُكم سليمان الحكيم بتقسيم الطفل، يحصل التعمد والقصد بنتائج التقسيم، ووقْع هذا الحكم على المرأتين، أي يحصل الانتباه أو استعمال الذكاء بنتائج القسمة، ووقْعها على المرأتين، فيحصل حينئذ ما يتوقعه المرء من استعمال الذكاء، أي يحصل رفض أم الطفل لتقسيمه، وقبول غير الأم له. فهذا الرفض والقبول هو الذي يتوقعه المرء من استعمال الذكاء، فتحصل سرعة البديهة في معرفة هذا الطفل ابن أي المرأتين المدّعيتين له. فسرعة البديهة هذه قد حصلت من استعمال الذكاء، وحصل استعمال الذكاء من الانتباه، وحصل الانتباه من التعمد والقصد، فيكون التعمد والقصد هو أول خطوة يسار بها في العملية كلها، وهي وإن كانت تتحول من وضع إلى وضع آخر، ومن حال إلى حال، ولكنها على كل حال عملية سارت بطريقها المرسوم، فجاء تحولها أو جاءت خطواتها طبيعية غير مصطنَعة، لأنها سارت حسب المتوقع. لذلك فإنها وإن كانت عملية مصطنَعة، ولكن الإتقان في اصطناعها جعلها شبه طبيعية. لذلك كانت تؤدي إلى أمر طبيعي حتماً، أي إلى استعمال الذكاء طبيعياً، وبالتالي إلى سرعة البديهة طبيعياً. لهذا فإنها إن ظلت سائرة على هذا المنوال يكون استعمالها متقَناً وتكون نتائجها طبيعية أو حسب المتوقع منها. لهذا من المنتظر أن لا يطول استعمالها حتى يصبح استعمال الذكاء طبيعياً، وحتى تصبح سرعة البديهة طبيعية.
لهذا فإنه ينبغي أن لا يظن أحد أن الاصطناع في استعمال الذكاء، والاصطناع في إيجاد سرعة البديهة هو من الأمور الشاقة والتي تأخذ زمناً حتى توصِل إلى سرعة البديهة الطبيعية، بل الأمر يتوقف على الإتقان في الاصطناع، فإذا كان الاصطناع متقَناً وحصل ما كان يُتوقع، فإن سرعة البديهة الطبيعية تكون قد أتت وصارت عادة من أول عمل مصطنَع، بل من أول عمل مطلقاً، ولا يظهر عليه أثر الاصطناع. فتكون الأمور كلها طبيعية من أول لحظة ومن أول خطوة، ذلك أنه وإن وُجد بالفعل سرعة بديهة مصطنَعة وهي الأولى، وسرعة بديهة طبيعية وهي ما بعدها، ولكنها كلها تظهر طبيعية حتى الأولى، لأن الاصطناع يختفي بفعل الإتقان، وبفعل حصول ما كان يُتوقع بشكل آلي، ولذلك يحصل كأنه طبيعي فلا يشاهَد فيه أثر الاصطناع.
والذي يجبرنا على الاصطناع، هو ما تركه الغزو الثقافي والغزو السياسي، وبقاء عملاء الغرب الكافر المستعمِر على النفوس والعقول من أثر، حتى تحوّل التفكير إلى درس وتمحيص في كل شيء، وحتى فُقدت سرعة البديهة. ولولا ذلك لَما احتجنا إلى مثل هذه العمليات المصطنَعة، لأن سرعة البديهة كانت طبيعية، واستعمال الذكاء كان طبيعياً، ولم تكن أذهان الناس مشوشة بشيء. فكان الناس يدرسون ما يحتاج إلى درس، ويستعملون سرعة البديهة فيما لا يحتاج إلى درس وتمحيص ويستعملون ذكاءهم كلما لزم، سواء في سرعة البديهة أو في غيرها، ولم يكونوا في حاجة إلى شيء من ذلك. لهذا فإن إرجاع الناس إلى الأصل الذي كانوا عليه أو عليه آباؤهم وأجدادهم، أمر سهل وفي منتهى البساطة، ولا يحتاج إلى تعقيد، لأن هؤلاء الناس هم أبناء أولئك، وأولئك هم أبناء مَن قَبلهم، وكلهم كانت سرعة البديهة لديه هي الأصل، وهي وحدها الموجودة. لذلك كان إرجاعهم إلى هذا الأصل الموجود لديهم ولو بالقوة أمراً لا يحتاج إلى كبير مجهود. لذلك فإن سرعة البديهة الطبيعية هي التي يُعمل لها، وهي التي يجب أن يُعمل لها على كل حال.

المشكلـة

المشكلة الآن ليست هي كيف نوجِد التفكير؟ فإن التفكير موجود عند الناس فطرة بشكل طبيعي، فالإنسان يُخلق وعنده دماغ، وعنده إحساس بنقل الواقع إلى الدماغ، وهذا أمر طبيعي. يبقى موضوع المعلومات السابقة، وموضوع وجود الواقع الذي ينقله الإحساس إلى الدماغ. فالدماغ والإحساس موجودان عند الإنسان منذ ولادته، وهما موجودان لديه خِلقة وفطرة، لذلك لا يحتاج إيجادهما إلى أي جهد، ولا إلى أي عمل، لأنهما موجودان عند الإنسان فطرة، أي خلقة، ولا يبقى إلاّ الوقائع التي ينقلها الإحساس إلى الدماغ، والمعلومات السابقة التي تفسر هذا الواقع.
أمّا الوقائع فهي كثيرة ومتوفرة، فأولاً بفضل الحياة في هذه الدنيا يقع إحساس المرء على وقائع كثيرة، فضلاً عن أن الأحداث الكثيرة والمتتالية، توجِد وقائع يومية وجديدة، فما على الإحساس إلاّ أن ينتقل، ومهما أسرف في النقل فإنه إنّما يوجِد تفكيراً. ذلك أن المعلومات السابقة التي تفسر هذا الواقع ثرة وكثيرة، واستعمالها أمر متوفر ومتيسر. لذلك لا توجد مشكلة في التفكير ولا يشكل أية مشكلة. فالتفكير موجود ولا يسبب ذلك أية مشكلة، فكيف نوجد التفكير لا يكون مشكلة ولا هو يسبب مشكلة، بل المشكلة كلها هو الاستعمار الغربي، أو الكافر الغربي، بما في ذلك روسيا السوفياتية. ذلك أن الغرب وقد عرف من دراسته ووعيه أن التفكير موجود، فصار همه كيف يعطله، أو كيف يجعله غير منتِج أو معطلاً عن العمل، وبالتالي كيف يجعله ضاراً إن لم يستطع تعطيله. وبما أن التفكير لا يستطيع أحد أن يعطله، لأن الكائن الحي حيوان أي حي، ولأن الإنسان حيوان مفكر، لذلك فإن وجود الحياة أمر طبيعي، وكون الإنسان مفكراً أمر طبيعي، لذلك لا يمكن تعطيل التفكير في الإنسان ما دام موجوداً، وما دامت تدب الحياة فيه. لذلك صُرف همّه لأن يجعل هذا التفكير ضاراً.
ومن هنا نشأت المشكلة. فالمشكلة هي أن التفكير أصبح ضاراً، فكيف نزيل عنه هذا الضرر ونجعله نافعاً؟
والجواب على ذلك يكمن في التفكير الحاضر نفسه، فالإنسان غير الغربي يفكر ولكنه يسرف في التفكير ويفرط فيه، فهو يكر ويبحث في كل شيء، ويفلسف كل شيء، فنشأ عن ذلك أمران: أحدهما أنه صار يفكر في الآليات يفلسفها، فهو يفلسف الكرسي ما هو، ويفلسف الصحن ما هو، ويفلسف الفنجان ما هو، فيُخرِج هذه الأشياء عن طبيعتها وعن وضعها الحقيقي والطبيعي، ولذلك فإنها تزداد غموضاً، بل يطرأ عليها الغموض وتبعد عن معناها الحقيقي، ويصبح السامح أو القارئ غير عارف ما هو الكرسي، ولا ما هو الفنجان، ولا ما هو الصحن. ولو وقف عند حد ذِكر اسمها لعرَفها معرفة حقيقية، ولو لم يفلسفها لعرَفها كما هي. فالذي جعلها غامضة إنّما هو التفكير بها أو فلسفتها، لذلك لا بد من إزالة هذه الفلسفة عنها.
هذا في الماديات، وكذلك في المعنويات. فالمغامرة إذا اقتُصر على ذكر اسمها عُرفت ما هي، ولكن إذا فُلسفت وجُعلت مغامرة محسوبة أو مدروسة ومغامرة طائشة، لم تعد كلمة مغامرة معروفة، بل تحولت إلى خطة. ومثل ذلك كلمات سرعة البديهة، واستعمال العقل، والذكاء، وما شاكل ذلك، فإنها كلما شُرحت وفُلسفت لفّها الغموض، لذلك لا يُزال عنها الغموض إلاّ إذا نُزع عنها التفلسف، أو نُزع عنها التفكير. فالضرر في التفكير هنا إنّما أتى من شموله وجعله يشمل كل شيء، ويشمل مما يشمله الآليات، لذلك كان التفكير في الآليات أو فلسفتها هو الذي أوجد الضرر في التفكير.
هذه واحدة. أمّا الثانية، فهي أن شمول التفكير كل شيء، شمل مما شمل سرعة البديهة، أو أوجد فيما أوجد التفكير البطيء. فسرعة البديهة تحتاج إلى التفكير السريع، والتفكير البطيء والدراسة والتمحيص هو الغالب، لذلك كان التعود عليه، وبلورة الذوق عليه، جعله هو الأصل، وهو الذي يجب أن يكون، لهذا صار التفكير البطيء عادة وهو الأصل، وهو الذي تبلور الذوق عليه، وما دام كذلك فإن كل شيء لا بد له من الدراسة والتمحيص، وإذن فلا مكان للسرعة، ولا محل لعدم الدراسة وعدم التمحيص، وبذلك عدمت سرعة البديهة، لأنه ما دام كل شيء يحتاج إلى دراسة وتمحيص فإن سرعة البديهة غير واردة، ولا يصح أن تكون، لأنها تعني التفكير دون دراسة أو تمحيص، وهذا أمر ممجوج ومستهجَن، لذلك صارت سرعة البديهة من الأمور الملوَّثة سلفاً، فلا يجوز أن تكون، ولا يصير أن يتحلى بها أحد. لذلك صارت سرعة البديهة مكروهة، وبالتالي غير موجودة، أو لا يصح أن توجَد. فنتج عن هذا الغزو الغربي ما هو قد أصبح مشكلة. وهو ليس التفكير، بل ما ينتج عن التفكير من ضرر. لذلك صارت المشكلة هي ضرر التفكير، والعلاج لهذه المشكلة إنّما هو إزالة هذا الضرر. فالسؤال الذي يَرِد الآن هو كيف نزيل الضرر عن التفكير؟
هذا هو السؤال، وهذا هو الذي يحتاج إلى جواب، لأن التفكير موجود، وهو طبيعي، وليس هو المشكلة. بل المشكلة هي: كيف نزيل الضرر عن هذا التفكير؟
والجواب على ذلك هو أولاً وقبل كل شيء، أن نعرف أن الغرب هو عدو، وأن أفكاره، جميع أفكاره، فيها شك، لذلك لا بد أن يتسرب الشك أولاً وقبل كل شيء إلى أفكار الغرب، فلا يُقبل منه فكر إلاّ بعد الدراسة والبحث عن هذا الفكر، ما هو، وماذا يراد منه، وما هو القصد من طرحه؟ فالشك في كل ما أتى من الغرب هو الأصل، وهو الذي يجب أن يوجد، وما لم يحصل الشك في الغرب، وفي كل ما يصدّره لنا لا سيما الأفكار، لا بد أن نظل أسرى لهذا التفكير، ولا بد أن نظل ضحية له، ولفخاخه. ولذلك فإن الخطوة الأولى التي يجب أن نخطوها هي الشك في الغرب، وفي كل ما يصدّره لنا حتى لو كان يصدّره لنفسه، لأنه قد يضحي بنفسه في سبيل تضليلنا. فالتضليل هو الأساس لديه، حتى لو ضلل قومه وأهله، لأنه يعتمد على التضليل، وهو سلاحه الأقوى، لذلك كان الشك فيه، وفي كل ما يصدّره هو الأساس، وهو الأصل، وهو الذي يجب أن يسود بلاد الإسلام، أو المسلمين.
وبعد هذا الشك يأتي الأمر الثاني أو الخطوة الثانية، وهي التفكير، أو إزالة الضرر عن التفكير، لأن كيفية التفكير قد جاء بها الغرب من جملة أفكاره التضليلية، فتبعاً للشك فيما أتى به الغرب، الشك في حثه لنا على التفكير، وفي جعل التفكير شاملاً، فلا بد أن نشك في هذا الحث على التفكير ، فلماذا يحث عليه؟ وهو أي التفكير أمر طبيعي وفطري في الإنسان؟ فهذا الحث له قصد، وله مرمى، فلا بد أن نقف عند هذا القصد وهذا المرمى، ونعرفه، ونحذر من عاقبته.
أمّا الحث على التفكير، فالمراد منه قدسية التفكير، وجعله غاية، وتجريده من العاطفة والمشاعر، أو جعلها غير مؤثرة وغير فاعلة، مع أن الإنسان هو عقل وعاطفة، فليس هو عاطفة فحسب، ولا عقلاً فقط، بل هو الاثنان معاً. إلاّ أن قائد المسيرة هو العقل وليس العاطفة. فإن العاطفة هي مشاعر ملتهبة فلا تصلح للقيادة، علاوة على كونها تلتهب بسرعة، وتنطفئ بسرعة. فالإنسان عقل وعاطفة، ولكن مركز القيادة يجب أن يعطى للعقل لا للعاطفة. ومتى وصلنا إلى ذلك عرفنا القصد من حثه على التفكير، ففوّتنا عليه غرضه، ولم ننبذ العاطفة والمشاعر، بل أبقيناها ولكن جعلنا مكانها حيث هي، وحيث يجب أن تكون، وحيث يليق بها. وذلك أن تبقى مسيَّرة بالعقل. وبهذا نكون قد أزلنا أول ضرر من حثه على التفكير. وبهذه الإزالة، زال تقديس العقل، وزال جعله هو الموجود، إذا صارت العاطفة بجانبه موجودة، ولو كانت مسيَّرة به. فالتجريد العقلي الذي يريد الغرب إيجاده قد زال، وبالتالي زال ضرره، ولذلك نأخذ حثه على التفكير أخذاً عقلانيا. ونجعل التفكير موجوداً ولكن بشكله الطبيعي الذي وُجد له ووُجد من أجله.
وناحية أخرى من حثه على التفكير ومن جعله شاملاً هو أن نفكر في كل شيء وأن ندرس كل شيء وأن نمحص كل شيء، وهذا يعني أن نفكر في كل شيء تفكيراً بطيئاً، وهذا ينقلنا إلى ترك التفكير السريع، وبالتالي إلى ترك سرعة البديهة، ونتعود على التفكير البطيء، ونهمل أو نحتقر التفكير السريع، ويصير التفكير البطيء هو الأصل، وهو المقياس لصحة التفكير. وهذا وحده كاف لاحتقار سرعة البديهة ونبذها، وهذا مع القناعة ومع التكرار ومع الزمن يلغي سرعة البديهة وبالتالي يلغي دورها، فنقع في أسْر التفكير البطيء ويأخذنا عدونا على حين غرة، ونصبح آلة عمياء بين يديه وطوع بنانه، وحينئذ تقع المشاكل السريعة، فلا نستطيع حلها، ونفوّت الفرص النادرة، فلا نقع تحت وطاة سرعة اغتنامها، فتتراكم علينا المشاكل وتضيع علينا الفرص.
أمّا شمول التفكير، فإنه علاوة على كونه يُذهب سرعة البديهة، فإنه كذلك يجعل التفكير الآلي، أو الفلسفة الآلية، محل بحث، بل محل فلسفة وتفكير. وبذلك يزداد غموض الأشياء الغامضة، وتغمض الأشياء الواضحة، البارزة. وبهذا لا نستطيع الاستفادة حتى من أبسط الأمور وهي الآليات، أي الأمور الواضحة، مثل الكرسي والفنجان والصحن في الماديات، وسرعة البديهة، واستعمال الذكاء، والذكاء في المعنويات. وإذا لم يستطع المرء الاستفادة من الآليات، وهي من أبسط ما يجب، أو ما يسهل الاستفادة منها، فإنه يصبح إنساناً عديم الجدوى من وجوده ومن عمله.
لذلك كانت المشكلة ليست في التفكير، بل المشكلة هي إزالة الضرر عن التفكير، وذلك بجعله تفكيراً عادياً يسرع حين يحتاج الأمر إلى السرعة مثل سرعة البديهة، ويبطئ حين يحتاج الأمر إلى إبطاء مثل معنى العقل، ومعنى التفكير نفسه، ويشمل كل ما يحتاج إلى فكر حتى يوضَّح مثل وجود الله، ووجود الخلق، ووجود العدل، ولا يشمل ما لا يحتاج إلى الفكر والتفكير مثل الآليات كالكرسي والصحن والفنجان، وكالذكاء، واستعمال العقل، وسرعة البديهة، إلى غير ذلك. فالمشكلة إنّما هي بإزالة الضرر عن التفكير، وليس غيرها أبداً.


حقيقة المشكلة

حقيقة المشكلة هي أن التفكير عند الشعب عموماً في أي بلد، وعند السياسين العقائديين والمفكرين، صار بطيئاً بشكل طبيعي، والعلاج هو الخلاص من هذه المشكلة، أي الخلاص من التفكير البطيء حتى صار التفكير البطيء عادة، وبذلك فقدت سرعة البديهة. فالمشكلة هي التفكير البطيء وبالتالي سرعة البديهة. فالتفكير البطيء هو المشكلة، وكونه صار عادة، وصار طبيعياً، أصبح هو المشكلة في حقيقتها. فأي مسألة من المسائل حتى لو كانت آلية، فإن فلسفتها أو التفكير بها هو الغالب على الناس. فالمشكلة ليست التفكير، لأن التفكير طبيعي وهو مستحَب، بل هو واجب، لأن التفكير بالشيء هو الذي يبين خوافيه، ويبين أسراره، ويجعل المرء يقف على الحقيقة. فالتفكير من حيث هو مفيد ونافع، ولكن بطء هذا التفكير، أو كونه يجري في كل مسألة، ويفلسف كل مسألة، ويجري بطيئاً، هو الذي يسبب المشكلة، أو هو المشكلة في حقيقتها. فالتفكير البطيء هو الأصل عند الناس، حتى فقدوا سرعة البديهة، وإذا جاءت إنّما تأتي ساعة الخطر. وسرعة البديهة لا تكون ساعة الخطر فقط، ولا يتأتى أن نتخذ إجراء بناء على سرعة البديهة، بل تأتي سرعة البديهة في حالة الخطر وتأتي في غيره، وقد نحتاج إلى إجراء وقد لا نحتاج. لذلك فإن سرعة البديهة لا بد أن تكون دائمية وفي كل شيء، فلا يصح أن تكون ساعة الخطر فقط، بل يجب أن تشمل جميع الحالات، ولا تحتاج إلى إجراء في كل شيء، بل منها ما يحتاج إلى إجراء، ومنها ما لا يحتاج إلى إجراء. لذلك فإن وجودها في حوادث ساعة الخطر، لا يكفي بل لا بد أن تكون موجودة في كل شيء. لذلك فإن سرعة البديهة أمر لازم في كل شيء، وحقيقتها أنها التفكير السريع، فمشكلتها، أي حقيقة مشكلتها، تكمن في التفكير البطيء.
والتفكير البطيء آتٍ من سيطرة الغرب المستعمِر على البلاد، وسيطرة أفكاره على الناس. وقد مضت مدة على الناس وهم يتلبسون بالتفكير البطيء، ويمارسونه، وصار جزءاً من تكوين عقليتهم وجزءاً من تفكيرهم. لهذا صار التفكير البطيء هو المشكلة، أو هو حقيقة المشكلة. فالمشكلة ليست سرعة البديهة، وإن كانت هي أبرز ما ترتب وما بُلي به الناس، وليست التفكير نفسه، لأنه لازم لزوم الحياة لكل إنسان مهما كان عقله، ومهما كان تفكيره، بل المشكلة هي البطء في التفكير. فسرعة البديهة نتيجة عدم البطء في التفكير، والتفكير هو العملية الطبيعية التي توجد في كل إنسان، فالبطء في التفكير هو حقيقة المشكلة. وبما أن البطء هذا لم يكن طبيعياً ولم يكن محلياً، ولم يكن آلياً، بل جاء نتيجة لسيطرة الغرب على البلاد، وسيطرة أفكاره على الناس. لذلك فإن حقيقة المشكلة هي التفكير البطيء، وحقيقة وجود هذه المشكلة هو سيطرة الغرب المستعمِر، وسيطرة أفكاره. لذلك فإن العلاج يجب أن ينصب على المشكلة ذاتها، لا على نتائجها، ولا على ما هو طبيعي لدى كل إنسان.
وما دام قد ثبت أن المشكلة ليست سرعة البديهة، بل هي نتيجة المشكلة، فيجب أن يكون العلاج منصباً على المشكلة لا على نتائجها، ونتائجها تعالَج لا على أساس أنها المشكلة، ولا دون علاج المشكلة، بل تعالَج المشكلة ذاتها، وهي بطء التفكير، وعلاجها يقضي بمعالجة السيطرة على الناس، سواء سيطرة الغرب أو سيطر أفكاره. لذلك فإن معرفة حقيقة المشكلة أمر ضروري، حتى لا يكون العلاج غير مُجدٍ وغير نافع، وحتى لا ينصبّ على غير المشكلة.
فمعرفة حقيقة المشكلة أمر لا بد منه، وبما أن حقيقة المشكلة هي البطء في التفكير، لذلك فإن البطء في التفكير هو الأساس، ويشكل حقيقة المشكلة. صحيح أن سيطرة الغرب على البلاد، وسيطرة أفكاره على الناس هو الأساس، ولكن هذا الأساس لا يحتّم أن المشكلة لا تعالَج إلاّ بزواله، بل يمكن أن تعالَج وهو موجود، وذلك بمعالجة التفكير نفسه، ونقله من البطء إلى السرعة، ومن التمهل إلى الاستعجال، فالمشكلة ليست سيطرة الغرب، وإن كان هو أساس المشكلة، بل المشكلة هي البطء في التفكير، فتعالَج المشكلة، وإن كان لا يُغض النظر عن أساسها. يعني أن الغرب بما يبثه من تضليل، وما يوجهه من انحراف باسم العلم، وباسم الثقافة، وباسم الحضارة، وباسم الإرشاد، وغير ذلك من الأسماء، هو المشكلة، وهو أساس المشكلة. ولكن سيطرة الغرب إنّما هي بهذه التسميات أو بهذه الأساليب، وهي لا تتعلق بإزالة السيطرة، بل بالشعب، أي بالناحية المتعلقة بالشعب لا بالسيطرة، ولا بالناحية المتعلقة بالسيطرة. صحيح أن السيطرة هي الأساس، وإذا كانت أساليب السيطرة قد تغيرت بما هو أخفى لها وأنتج، ولكن المشكلة هي الأساس وهي الناحية الشعبية، يعني أن سرعة البديهة موكولة للناس، موكولة لهم وحدهم ولكنهم بفعل عقلهم المتغير، والمتطور من حال إلى حال، هو الذي يجب أن يُصب الجهد نحوه. فالسيطرة وإن كانت الأساس، ولكن السيطرة لا تكون من غير مفاهيم الشعب، فمفاهيم الشعب هي التي تديم السيطرة أو تقصّر أجلها، ولكنها ليست المشكلة، وليست الأساس.
فالموضوع هو تغيير المفاهيم نحو أشياء الحياة، وليس الموضوع هو تغيير السيطرة على الحياة. لذلك كانت نسبة الشيء إلى الغرب أو إلى السيطرة، هو هروب من المشكلة، بل يجب أن تسيّر الأمور نحو المشكلة، وهي إيجاد سرعة البديهة، وذلك عن طريق الشعب، لا عن طريق السيطرة، أي عن طريق تغيير المفاهيم نحو أشياء الحياة، لا عن طريق تغيير السيطرة. فتغيير المفاهيم هو الأساس، ولذلك لا يصح أن يجري الهروب من المشكلة بأن توجَّه الأمور نحو السيطرة أو نحو الغرب، بل يجب أن توجَّه الأمور نحو الشعب، نحو تغيير المفاهيم، وخاصة تغييرها نحو أشياء الحياة. فإذا أريد إيجاد سرعة البديهة، فلا يصح الاتجاه نحو الغرب لأنه أساس المشكلة، ولا نحو السيطرة، لأنها هي التي توجِد المشكلة، أو أوجدت المشكلة، بل يجب أن توجَّه العناية نحو الشعب، أي توجَّه نحو المفاهيم. فإلى تغيير المفاهيم ندعو الناس، وندعو الشعب، ونعمل لتغيير السيطرة. فالأصل هو تغيير المفاهيم عند الناس، لا تغيير السيطرة.

علاج المشكلة

البطء في التفكير هو المشكلة، أو هو حقيقة المشكلة. وهذا البطء آتٍ من سيطرة الغرب على البلاد، وسيطرة أفكاره على الناس. لذلك يتبادر للذهن أن معالجة الأساس هذا هو علاج المشكلة. لكن عند إمعان النظر يلاحَظ أمران: أحدهما أن هذا تبسيط للمشكلة، والثاني أن هذا يعني الهروب من حل المشكلة، ولذلك لا بد أن يلاحَظ هذا الأساس مجرد ملاحظة عند العلاج، ولا يتوقف عليه العلاج. أمّا التبسيط للمشكلة، فذلك أن الغرب وسيطرته هي أساس البلايا كلها، ومنها بطء التفكير، فجعل العلاج ينصبّ على الأساس، يعني أن زواله يزيل البطء، وهذا وإن كان صحيحاً على الإجمال، ولكنه يحتاج إلى معاناة. فعدم ملاحظة هذه المعاناة، هو تبسيط للمشكلة، فالمشكلة هي زوال الأساس، ووجود المعاناة. ووجود المعاناة أمر ضروري حتى لو زال الأساس. فالمعاناة هي التي تؤدي إلى زوال ما تركه الأساس، وليس الأساس نفسه. لذلك فإن المعاناة هي أصل العلاج، وليست إزالة الأساس. فالمعاناة هي العلاج، سواء أكانت مع وجود الأساس باقياً وهو سيطرة الغرب، أو غير باقٍ بل زال، وإن كان زواله يسهّل المعاناة ويجعلها منتجة أكثر، فالمعاناة هي التي يجب أن تباشَر بالعلاج، والمعاناة هي التي تزيل آثار هذا الأساس، فلا بد من المعاناة أولاً وقبل كل شيء.
إذن فعلاج البطء في التفكير هو المعاناة، فلا بد من المعاناة، لأنه لا علاج بدونها. لذلك فإن العلاج الحقيقي لبطء التفكير، أي لعدم وجود سرعة البديهة، أو إيجادها، إنّما هو المعاناة. والمعاناة تنصبّ على البطء في التفكير، أمّا كيف تنصبّ هذه المعاناة، فإليك البيان:
أولاً: لا بد من عرض أشياء كثيرة على الشعب وعلى الأفراد، ليفكروا بها، ومن خلال تفكيرهم بهذه الأشياء، وبما يحدث أمامهم يمكن أن يلاحَظ البطء في التفكير، فهذه الملاحظة أو الإحساس بالبطء، تكون نقطة الابتداء بالعلاج. فلنأخذ هذه الملاحظة، أو هذا الإحساس ونقتله درساً ومعرفة، حتى نقف على حقيقته. فمثلاً طرحنا أمام الناس شيئاً ما، وليكن مستقبلهم أو واقعهم أو تاريخهم، نجدهم يحللون هذا المستقبل تحليلاً بطيئاً حتى لَيفلت من أيديهم، ويحللون كذلك واقعهم أو تاريخهم بنفس الأسلوب. مع أن تحليل المستقبل هو غير تحليل الواقع، وهو غير تحليل التاريخ، ولكن تعوّدهم على التفكير البطيء، وكونه صار طبيعة لديهم، يجعلهم يطيلون التحليل، ويفلسفون الآليات، حتى يغمض المستقبل أو الواقع أو التاريخ بدل أن يزداد وضوحاً. فهذا البطء في التفكير هو الظاهرة البارزة عليهم جميعاً. وحينئذ لا نأخذ ما طرحناه أياً كان، بل نأخذ الظاهرة العامة عليهم جميعاً، ونقبض عليها، ونمسك بتلابيبها فنهاجمها بشكل عنيف، ونبين أنها عيب من أبرز العيوب وننفرهم منها، حتى ليصح أن نقول لهم: إن العسل هو خرء الذباب. فإذا كرهوا البطء في التفكير، أي كرهوا التحليل البطيء، ظهر عليهم ميل إلى السرعة، فهذا الميل هو أول علامات الشفاء. فإذا لم يظهر هذا الميل ظهوراً بيناً علينا أن نوجده لديهم، وذلك بالإيحاء، أو المعالجات السريعة، وأثر السرعة، فيوجَد هذا الميل عند البعض إن لم يكن عند الجميع، ولكنه لا يلبث أن يكون عند الجميع. لذلك كان طرح الشيء ثم نهاجم الظاهرة البارزة، فنصل إلى الميل للسرعة، ويكون هذا هو أول بوادر النجاح. فعلاج البطء لا يأتي بالشرح والبيان، ولا بالخُطب والكتب، وإنّما يأتي بالكلمات المحدودة المتضمنة أعمالاً، أو بالأعمال نفسها. وهذه هي المعاناة، فالمعاناة هي أقوال محدودة وأعمال بارزة.
ثانياً: لا بد من متابعة هذا العرض، والإمعان في المتابعة، حتى يظهر على الناس أو على الأفراد ملل من هذه المتابعة وكأن لسان حالهم يقول كفى متابعة. ولا ينتظر حتى يقول كل الناس كفى متابعة، ولا يُكتفى بواحد أو اثنين يقولان كفى متابعة، بل يُحس أن الناس قد ملّوا المتابعة. وحينئذ يُتوقف عنها، فلا يصح أن يبقى متابَعاً حتى يمل الناس دون أن يحس أو يشعر بذلك، ولا يقطع المتابعة بمجرد أن صرّح بذلك أفراد من الأذكياء، أو فرد أو أكثر من عامة الناس، بل يجب أن يتابَع حتى يُحس أن المتابعة لم تعد تجدي، فيتوقف حينئذ عن المتابعة بمجرد إحساسه هو، لأن المفروض أن يكون إحساسه قد وُجد بناء عن واقع شامل، لا واقع أفراد من الأذكياء.
ثالثاً: أن ينوّع هذه المتابعة، بمعنى أنه قد طرح أمام الناس مستقبلهم وواقعهم وتاريخهم، فليطرح عيشهم، ورتابة هذا العيش، وكيفيته، ثم ليطرح طريقة عيشهم، والدفاع عن هذه الطريقة لو بالسيف أي بالقوة، والنظر إلى مخالف هذه الطريقة نظرة عدم تسامح وعدم تفريط، بل نظرة تصل إلى حد العداء. ثم ليطرح غير ذلك من الأشياء بشكل متنوع، على أن تكون مما فيه تفكير، لا أشياء آلية كالمغامرة والكرسي والصحن، بل أشياء تحتاج إلى تفكير.
رابعاً: أن يكون في حالة وعي عند طرح الأشياء عليها، وعلى أثرها، وعلى التفكير بها، حتى يكون تدبره هذا، أي وعيه وسيلة لصحة الأحكام التي يُصدرها، ولصحة الملاحظات التي يبديها، وحتى يكون الهجوم في محله، عند السامع، وعند المتكلم، وإذا فقد الوعي، فقد كل شيء، لأنه لا فائدة بالمتابعة، ولا بالتكرار، ولا بالتنويع، إلاّ إذا وُجد الوعي والتدبر، فالوعي والتدبر ضرورة من ضرورات العلاج.
أمّا مَن الذي يعالِج، فإنه يتبادر للذهن أنهم القادة، أو المخلِصون، أو القيّمون على الناس أو على الأفراد. لكن الواقع هو أن كل فرد من الناس يمكنه ذلك، مع الناس أو مع نفسه، إذا سار على الشروط الأربعة. لذلك فإن العلاج ليس موضوعاً لأحد معين بل هو موضوع بشكل عام، يشمل القادة والمخلِصين والقيّمين، ويشمل كل فرد من الناس، حتى لو طرح الأمر على نفسه هو، وعالج نفسه هو لكان معالِجاً، وكان كافياً. لذلك فيجب أن يُعرف تماما أن العلاج هذا ملك لكل إنسان، ويمكن أن يقوم به كل إنسان، ولو فرداً واحداً، ولو على نفسه. فالمهم هو العلاج، وليس المهم هو من الذي يعالِج.

المعاناة وسرعة البديهة

قلنا إن المعاناة تعالج بطء التفكير، أي تعالج سرعة البديهة، إلاّ أن المعاناة التي تعالِج بطء التفكير لا بد أن يضاف لها شيء حتى تعالج سرعة البديهة. ذلك أنه وإن كانت سرعة البديهة ناتجة عن التفكير وعن الذكاء، لكنها في الواقع قد تصدر عن غير الأذكياء، أو عن الأذكياء ذكاء أقل من الذين لم تصدر عنهم. ثم إن سرعة التفكير قد توجَد ولا توجد سرعة البديهة. لذلك كان علاج سرعة البديهة بإيجاد سرعة التفكير بناء على المعاناة هو مبالغة في التفاؤل وإعطاء الأشياء أكثر من حقيقتها أو أكثر مما تحتمل. وفي مثال شكوى المرأة إلى عمر بن الخطاب، دليل واقعي على ذلك.
ذلك أن المرأة جاءت لعمر بن الخطاب تشكو زوجها، ولكنها لم تشكُ منه صراحة، بل أشارت إلى ذلك ما يُفهم منه عند من يكون سريع البديهة، فقالت لعمر: إن زوجي قائم الليل صائم النهار، فأجابها عمر: نِعم الزوج. ثم ذهبت، فقال له أحد الحاضرين وكان أقل ذكاء من عمر وأقل سرعة في التفكير، قال له: لقد ألحّت بالشكوى من زوجها فلم تُنصفها. فقال له: كيف؟ قال: إذا كان زوجها قائم الليل كله، وصائم النهار، فمتى يفرغ لها؟ فقال له: صدقتَ. ثم حاول إزالة الشكوى. فعمر لم تكن له سرعة بديهة في هذه الحال، ولم تنفعه سرعة التفكير. فالمعاناة إذن وإن انصبت على سرعة التفكير، ولكن حين يراد منها إيجاد سرعة البديهة لا بد أن يضاف إليها شيء آخر، ألا وهو بيان ما يُطرح من دلائل على وجود سرعة البديهة فيه. فما يُطرح ويكرر وينوع يوجِد سرعة التفكير، ولكنه حين يعالج سرعة البديهة وحدها لا سرعة التفكير يجب أن يضاف إليه بيان فيما يُطرح من أشياء تدل عليها سرعة البديهة أو إدراكها يدل على وجود سرعة البديهة أم لا. فحين يقال إن سرعة البديهة ناتجة عن سرعة التفكير، هذا صحيح من حيث كونها نتيجة سرعة التفكير، ولكن هذه النتيجة لا ضرورة لأن توجَد بل من شأنها أن توجَد. لذلك كان علاج سرعة التفكير يعالج إيجاد سرعة البديهة، ولكنها قد توجد وقد لا توجد. فسرعة التفكير تؤدي إلى سرعة البديهة، ولكن لا توجدها، والذي يوجدها هو سرعة إدراك ما في سرعة التفكير من خصائص قد تؤدي إلى إيجادها. فمثلاً حين مدح الشاعر الأمير بالبيت المشهور وقال له:
إقدام عمر في سماحة حاتم في حُلُم أحنف في ذكاء إياس
قال له أحد الحاضرين: الأمير فوق ما وصفت، فأدرك بسرعة أن الأمير في شجاعته وكرمه وفي حلمه وذكائه هو فوق هؤلاء الذين ذَكَرهم، حوّل الأمر إلى تمثيل فقال البيتين المشهورين:
لا تنكر ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الندى والبأس
فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس
فسرعة البديهة هذه جعلته يعتذر بشكل بيان عن هفوته هذه. فقال البيتين المشهورين ليبين أن ما فُهم منه بأنه انتقاص للأمير هو سوء فهم، لأن الأمر ليس على الحقيقة بل هو مجرد تمثيل. فالله الذي هو أكبر من كل شيء قد جعل التمثيل لا بالأشد بل بالأخف والأصغر. ولولا سرعة البديهة، أو سرعة إدراكه لواقع ما وقع فيه لكان نصيبه الهلاك، ولكان وقع في خطر الذم، وهو يريد المدح. فسرعة البديهة، أو سرعة الإدراك التي أدت إلى سرعة البديهة هي التي أنقذته. ولولا ذلك لوقع في الخطر.
فسرعة البديهة ناجمة عن سرعة الإدراك، ولا يمكن أن تأتي إلاّ من سرعة الإدراك. أمّا سرعة الإدراك فلا ضرورة لأن تؤدي إلى سرعة البديهة. فمثال شكوى المرأة لعمر بن الخطاب، وعمر بن الخطاب سريع الإدراك دليل على أن سرعة الإدراك لا تؤدي إلى سرعة البديهة، ولكن البيتين المشهورين، أتت سرعة البديهة فيهما من سرعة الإدراك. لذلك فإن الوقائع الجارية تدل بشكل واضح على أن سرعة البديهة لا تأتي إلاّ من سرعة الإدراك، فإذا أريد إيجادها لا بد من إيجاد سرعة الإدراك. ومن هنا كان الجهد منصباً على إيجاد سرعة الإدراك عند الناس. ولكن سرعة الإدراك هذه قد تنتِج سرعة البديهة وقد لا تنتِج. لذلك لا بد من إضافة أشياء أخرى لإنتاجها ألا وهي إضافة شيء لما يُطرح، ألا وهو بيان ما فيما يُطرح من أمور تُدرك فعلاً، ولا يكفي وجودها، وكونها مما يدرَك. فلولا سرعة البديهة عند أحد الحاضرين في مجلس عمر بن الخطاب ولفته نظره لما في كلام المرأة لَما أدرك عمر بن الخطاب، ولولا ما لمح الشاعر في كلام المعترض من صحةٍ لَما أدرك هفوته، ولَما عقّب بالبيتين الأخيرين.
فإذن لا بد من لفت النظر إلى الشيء أو إلى الكلام، سواء لفت نظر بسرعة البديهة، أو لفت نظر لما تقضي به سرعة البديهة. لذلك لا بد من وجود شيء آخر بالإضافة إلى المعاناة في سرعة التفكير إذا أريد من هذه المعاناة إيجاد سرعة البديهة رأساً لا إيجاد سرعة التفكير فقط. فمثال ذلك: طرح المستقبل أمام الناس، سواء مستقبل الفرد أو مستقبل الأمّة أو مستقبل البلاد. ولنأخذ مثلاً مستقبل بلد كمصر، فلا يكفي فيه لفت النظر إلى مستوى المعيشة عند الناس، أو الظلم الاجتماعي الواقع لديهم، فإن هذا مهما قيل يكفي لإيجاد سرعة التفكير عند الناس فيختارون فوراً الاشتراكية، فإنها تضمن في تقدّميّتها الإنتاج ويرتفع مستوى المعيشة، بل مع ارتفاعه يزيل الظلم الاجتماعي، فسرعة التفكير قد تؤدي إلى عكس ما يراد منها، ولكن إضافة أن الناس مسلمون، وأن الإسلام لا يريد من العيش العيش البطر، ولا يريد من زوال الظلم الاجتماعي إهدار القِيَم، وإهدار ما لدى بعض الناس من ميزة الذكاء والقدرة، ففقدان هذا قد يؤدي إلى سوء الاختيار، وإلى عدم الوصول إلى الحق من سرعة البديهة أو من سرعة التفكير. لذلك لا بد من إضافة أن الناس في مصر مسلمون، أو إضافة الإسلام كعلاج إلى مستقبل بلد كفرنسا مثلاً. فسرعة البديهة حتى توجَد لا بد من إضافة أشياء حقيقية إلى ما يُطرح سواء أكانت فيه مثل إذا كان المثال بلداً كمصر، أو لم تكن فيه إذا كان المثال بلداً كفرنسا. فالإضافة ضرورية حتى توجد سرعة البديهة وحتى تكون سرعة البديهة فاعلة ومنتِجة ليس مجرد سرعة في التفكير.
وعلى ذلك فإن المعاناة وإن كانت توجِد سرعة التفكير، ولكنها لا توجِد سرعة البديهة حتماً، وبالتالي لا توجِد سرعة البديهة المنتجة، لذلك كانت المعاناة صحيحة في إيجاد سرعة التفكير، ولو كانت المعاناة وحدها. أمّا في إيجاد سرعة البديهة وفي جعل سرعة البديهة مثمرة ومنتجة، لا بد من إضافة شيء آخر إليها، وهو لفت النظر إلى ما يُطرح، إما ببيان نقصه، أو بما فيه هو من أمور خفية كمثال المرأة التي شكت زوجها لعمر بن الخطاب.


ما ينبغي فعله أولاً

صحيح أن المشكلة كلها هي انشغال الناس بالتفكير، وتقديسهم للتفكير، وهذا أمر لا يمكن علاجه إلاّ بإيجاد الضرر. فانشغال الناس بالتفكير أمر مستحَب، وصرفهم عنه إنّما هو صرف عن أساس النجاح في الحياة، ألا وهو انشغال الناس بالتفكير. وتقديس التفكير أمر مستحَب بل واجب، لأنه قيمة من أعلى القيم، والقضاء على القيم الموجودة أو التي ينبغي إيجادها يضر الأمّة، ويضر الأفراد. لذلك لا بد من تقديس التفكير. ولأجل أن لا نوجِد هذا الضرر، أي لأجل أن لا نقضي على انشغال الناس بالتفكير، ولا نقضي على تقديسهم للتفكير، لا بد من فعل شيء هو ايجاد أشياء إلى جانب التفكير. فمثلاً نوجِد إلى جانب انشغال الناس بالتفكير إعطاء هذا التفكير واقعه أو واقع ما يفكَّر فيه، فلا يفكَّر بالآليات، بل يكفي أن يراها أو يسمع باسمها، فالمغامرة والصحن والكرسي لا يصح أن يُشغل الذهن بها، أي لا تكون محل انشغال بالتفكير، وبذلك لا نقضي على الانشغال بالتفكير، ولا نقضي على تقديس التفكير كتفكير، بل نضعه في مكانه، وحينئذ ينصرف الناس عن التفكير بالآليات، ويبقى لديهم الانشغال بالتفكير، ويبقى كذلك تقديس التفكير.
ومثلاً: جعْل التفكير سائراً بحسب ما يفكَّر فيه، فإن كان مما ينبغي السرعة فيه فإنّا نوجِد السرعة، وذلك بالمعاناة، وإن كان مما يوجِب البطء فيه فليكن البطء، وذلك كالتفكير بالسياسة، أو التفكير الدلالات التي تدل عليها الأفكار، فهذا النوع لا تنفع فيه السرعة بل ينفع فيه البطء. فنعطي التفكير أن يسير بحسب ما يفكر فيه، لا بحسب ما نريد منه، وذلك يوجِد سرعة التفكير ويوجِد عدم سرعة التفكير، فالسرعة وإن كانت هي المطلوبة لإيجاد سرعة البديهة، ولكنها إزاء الحياة يجب أن نعرف أنها ليست كل شيء في الحياة، لذلك لا بد من أن نوجدها بمقدار ما يكفي للنجاح في معترك الحياة، فلا نجعلها تطغى على كل شيء.
ولكن هذا في الكلام، وفي الأحداث. إلاّ أن المراد أولاً وقبل كل شيء إيجاد هذا في النفوس، أي أن تكون النفوس ليست مشغولة بالتفكير، وليست مقدِّسة للتفكير، وذلك قبل كل شيء لا بد أن يؤدى بشكل لا يصرف عن التفكير والانشغال به، ولا يخفف أو يقضي على قداسة التفكير. وذلك قبل كل شيء آخر ألا وهو مركز العاطفة في الإنسان وفي الحياة. فأول ما يجب فعله هو تفهيم الناس لمركز العاطفة. فإن هذا في النفوس، وإذا ظلت النفوس منكِرة لمركز العاطفة وأثرها على الإنسان، ظل الإنسان مشغولاً عن العاطفة، وبذلك ينشغل في التفكير وتطغى قداسته على العاطفة وعلى كل شيء. فإذا أريد العلاج: علاج التفكير وعلاج سرعة البديهة، فلا بد من التركيز على العاطفة وعلى مركزها وعلى أثرها وعلى ضرورة وجودها. فالإنسان مركب من عقل وعاطفة، والإسلام حين جاء إنّما جاء بالعقل والعاطفة معاً، فالعاطفة جزء لا يتجزأ من الإنسان كالعقل. فالحب والبغض والكسل والنشاط والحزن والفرح، كلها وأمثالها لا يخلو منها إنسان، وكذلك العقل، فانصراف الإنسان إلى العاطفة يجعله سائراً في الحياة دون ضابط، وانشغال المرء بالتفكير وحده، أو بالعقل وحده يُفقده القدرة على الصمود في الحياة، لأن العاطفة هي المحرك، والعقل هو الموجِّه، فإذا وُجدت الحركة دون توجيه قد تكون حركة مدمِّرة، وإذا وُجد التوجيه دون محرك أو دون حركة، يكون مجرد توجيه منقطعاً عن المحرك وعن الحركة، فلا يؤدي إلى نتيجة. والأمّة حين كان الإسلام هو المسيِّر لها في الحياة بالعقل والعاطفة، كانت تسير سيراً حميداً، فحين تقدم الزمن وتتالت الأحداث صارت العاطفة تسير بأدنى محرك، أو بقوة الاندفاع القديم، أو كما يعبّرون، بقوة الدفع، فاستُغني عن الموجِّه، وصارت العاطفة هي المسيطرة.
في هذا الوقت تبلور الصراع بين الأمّة وأعدائها، أي بين الإسلام والمسلمين والكفر والكفار، ففقد المسلمون الموجِّه، أي فقدوا التفكير، وبذلك لم تنتج أعمالهم أي إنتاج، وغلبهم عدوهم، فظنوا أنه غلبهم بالعقل والفكر، وغُلبوا لانشغالهم بالعاطفة، ومن أجل ذلك توجهوا نحو التفكير، وانصرفوا عن العاطفة، ففقدوا كل شيء يَنتج عن التفكير، فشُغلوا بالآليات من جراء تقديسهم للتفكير، وصاروا بطيئي التفكير لانشغالهم به، وبذلك فقدوا سرعة البديهة، لعدم وجود العاطفة لديهم. لذلك كان أول ما يجب فعله هو أن نعيد العاطفة إلى مكانها اللائق بها، وبذلك يرجع التفكير إلى محوره، فلا تفكير بالآليات، ويوجِد في الإنسان التفكير السريع، فالمسألة متعلقة بالعاطفة ومكانها، لا بالتفكير.
لذلك كان أول ما يجب فعله هو إعادة العاطفة إلى العمل وهي موجودة بالانسان خِلقة. فالمشكلة ليست بانشغال الناس في التفكير، ولا بتقديسهم له، بل المسألة هي بإرجاع العاطفة إلى مركزها. صحيح أن العاطفة ظلت في الإنسان كما ظل العقل فيه، ولم ينزع أحد العاطفة من الإنسان، ولكن المسألة هي الانشغال بالعاطفة والانشغال بالتفكير. فالعاطفة ظلت في الإنسان، ولكن الانشغال بها قد انعدم، بل المهاجمة لها هي التي وُجدت، والانشغال ازداد بالتفكير، وحل محل العاطفة. لذلك نجح الكافر في صرف الناس عن العاطفة. وما دام قد صُرفوا عنها انصرفوا عن كل شيء هو دونها، فانصرفوا عن سرعة التفكير، وانصرفوا عن سرعة البديهة، وأمعنوا في الانشغال بالتفكير حتى وُجد ما يشاهَد في الناس من عدم الاستفادة من التفكير، ومن فقدان سرعة البديهة عند عامة الناس. وأساس ذلك هو فقدان الانشغال بالعاطفة، واقتصار الانشغال بالتفكير. وبما أن الإنسان هو عاطفة وعقل، فإهمال أحدهما يعني إهمالاً للآخر، وعدم إنتاج بالانشغال فيما لم يهمَل. أي أن إهمال العاطفة: هو إهمال للعقل لأنه بدون العاطفة لا ينتج، فهو إن لم يُهمل ولكنه صار لا ينتج، وذلك بسبب إهمال العاطفة. لذلك فإن العقل، أو التفكير، لا يمكن أن ينتج إلاّ إذا كانت العاطفة موجودة، لا في الإنسان وحده، بل بالانشغال. فالانشغال بالعاطفة مع الانشغال بالتفكير، هو الذي يعيد للتفكير مركزه ويجعله منتِجاً. لذلك كان العلاج لإنتاج التفكير هو الانشغال بالتفكير، لذلك كان أول ما يجب فعله هو الانشغال بالعاطفة إلى جانب الانشغال بالتفكير.

المعاناة وسرعة البديهة

إن المعاناة توجِد سرعة التفكير، أو تؤدي بالتفكير إلى السرعة، وسرعة التفكير هي التي توجِد سرعة البديهة، أو تؤدي إلى سرعة البديهة. إلاّ أن سرعة البديهة هي شيء ذاتي قائم بنفسه، ومهما كانت المعاناة قوية وثابتة، ومهما كان التفكير سريعاً، فإن سرعة البديهة إذا لم تكن ذاتية وقائمة بنفسها فلا فائدة في أي عمل اصطناعي لإيجادها. والدليل على ذلك هو حادث عمر بن الخطاب، فلا شك أن عمر بن الخطاب كان سريع التفكير، ولا شك أنه كانت لديه سرعة التفكير، وكانت لديه سرعة البديهة، إلاّ أن كل ذلك لم ينفع في حادث شكوى المرأة على زوجها. فعمر بن الخطاب لم تكن لديه سرعة البديهة أن قول المرأة عن زوجها أنه قوّام الليل صوّام النهار، أنها تعني أنه مقصِّر في حقوقها الزوجية، فجاءت تشكوه لعمر بن الخطاب، وعمر لم يفهم هذه الشكوى وإنّما فهم أنها مدحت زوجها، ولكن أحد الحاضرين كان سريع البديهة، ففهم شكواها، بل فهم أنها ألحّت بالشكوى. فكون أحد الناس كان في هذه الحادثة أسرع بديهة من عمر بن الخطاب يعني أن سرعة البديهة في الشيء الواحد أو في حادثة معينة، لا بد أن تكون ذاتية، وأن تكون لديه القدرة على فهم الحوادث والأحداث. لذلك فإن المعاناة توجِد فكرة سرعة البديهة، ولا توجِد سرعة البديهة نفسها، فسرعة البديهة شيء يتعلق بسرعة التفكير وسرعة الإدراك للشيء وللحادثة، مع وجود فكرة سرعة البديهة عند الرجل. فالأعمال مثل سرعة التفكير، والأفكار مثل المعاناة، إن هي إلاّ حوافز لإيجاد فكرة سرعة البديهة. أمّا سرعة البديهة نفسها فلا بد أن تكون ذاتية، وأن تأتي من نفسها.
لذلك ما دام الكلام على سرعة البديهة، فإن سرعة البديهة لا بد أن تكون ذاتية لدى الناس ولدى الأشخاص، ففكرتها هي التي توجِد المنافع لها، أو توجِد الاستعداد لها، أو توجِد التربة الصالحة لإنباتها. أمّا هي ذاتها فإنها توجد أو لا توجد حسب الظروف، والأوضاع، وصيغة الكلام، أو صيغة الحدث أو الحديث. فمثلاً أن لا يلاحِظ عمر بن الخطاب أن قول المرأة عن زوجها لأمير المؤمنين أن زوجها قوّام الليل صوّام النهار، يعني أنها تشكو تقصيره لأمير المؤمنين. فعدم ملاحظة أمير المؤمنين أن هذا الكلام من امرأة عن زوجها له هو أمير المؤمنين يعتبر شكوى وليس مدحاً. فعدم ملاحظة أمير المؤمنين ذلك صَرَفه عن سرعة البديهة في هذه الحادثة، وملاحظة شخص آخر لذلك هو الذي أوجد عنده سرعة البديهة. فعدم الملاحظة هذه لا تعني أن هذا الرجل عنده سرعة بديهة ولا توجد عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سرعة بديهة. ففكرة سرعة البديهة هي عند عمر بن الخطاب أكثر منها عند هذا الرجل، ولكن ملاحظة هذا الرجل لأمر ما قد تكون أكثر من عمر بن الخطاب، فوضعٌ معين هو الذي أوجد سرعة البديهة، وهذا على أي حال يدل على الذكاء. فسرعة البديهة إذن لا تصدر عند من لا توجد لديه فكرتها، ولكن حتى تصدر ممن لديه فكرتها، لا بد من ملاحظة أمور وأوضاع معينة في حادثة معينة. لذلك فإن سرعة البديهة في الحادثة الواحدة ليست دليلاً على وجودها عند من صدرت عنه بشكل عفوي وطبيعي، وإذا كان لا بد من وجود فكرتها لديه. فالموضوع إذن هو العمل لإيجاد سرعة البديهة عند الناس، وذلك بإيجاد فكرتها. فما سبق أن بحثناه من العمل لإيجاد سرعة البديهة إنّما هو العمل لإيجاد فكرتها أو الاستعداد لها، لا إيجادها هي بالفعل، لهذا فإنه لا يقال إن ملاحظة شيء معين هو من أبحاث سرعة البديهة، بل هو الأساس. لا يقال ذلك، لأن هذا عارض، وقد يوجِد سرعة البديهة، وقد لا يوجِد. فالأساس هو إيجاد الفكرة في الناس، أو إيجاد الاستعداد لديهم وليس إيجاد سرعة البديهة نفسها.
فما نشكوه ليس فقدان سرعة البديهة فقط، بل إن ما نشكوه هو عدم وجود فكرتها كلياً، وعدم وجود الاستعداد لها، فالعمل هو لإيجاد فكرتها وإيجاد الاستعداد لها، ثم بعد ذلك يُترك للملاحظة والوقائع والحوادث والصيغ أن تبعث على إيجادها. فيجب أن يُعلم أننا لا نقصد أن نجعل عند الناس فوراً سرعة البديهة، فهذا أمر فضلاً عن كونه ليس معقولاً، بل إنه لا فائدة منه، فضلاً عن كونه مستحيل الإيجاد.
لذلك يجب العمل لإيجاد ما يربي سرعة البديهة، أو إيجاد التربة الصالحة لإنباتها، أو إيجاد فكرتها، أو الاستعداد لها، وحينئذ توجد سرعة البديهة عند سريع البديهة، أي يصبح وجودها أمراً طبيعياً. فالمسلمون في جميع بلاد الإسلام لم يفقدوا سرعة البديهة كلياً، بل لم يبق لديهم دافع لها ولا تربة لإنباتها، فالعمل هو إيجاد المناخ وإيجاد التربة، أي إيجاد فكرتها، والاستعداد لها.

واقع ما هو موجود فعلاً

الموجود فعلاً عند الناس، أفراداً وجماعات ومجتمعات هو التفكير في كل شيء. والتفكير البطيء في كل شيء، وكل أمر من الأمور عند الناس يحتاج إلى دراسة وتفكير، وبحث وتمحيص. هذا هو الموجود فعلاً، وهذا يتنافى مع تربة إيجاد سرعة البديهة، لأنه جعل الإنسان يبعد رويداً رويداً عن التفكير السريع، وصار يحبب إليه التفكير البطيء والدرس والتمحيص، لذلك لا بد من الخروج عن هذا الواقع أو الخروج منه والسير في التفكير السريع حتى توجد سرعة البديهة. وما لم يجر الخروج من التفكير البطيء لا يمكن الخروج إلى إيجاد سرعة البديهة، ولا إلى إيجاد تربة سرعة البديهة. فالعلاج يجب أن ينصب على سرعة البديهة، لا على ذاتها ومحاولة إيجادها، بل على إيجاد التربة التي تنبتها، وإيجاد فكرتها، أو الاستعداد لها.
فهناك فرق بين سرعة البديهة وبين أن تصدر سرعة البديهة. فعصر أو جماعة أو مجتمع مثل عصر عمر بن الخطاب أو جماعته التي عاشت معه أو مجتمعه المسيَّر بالإسلام، كانت سرعة البديهة موجودة بالقوة لدى الأفراد ولدى الجماعات ولدى المجتمع، ولكن أن تصدر عند عمر بن الخطاب، أو أن تصدر عند أحد جماعته، فليس مهماً ولكن المهم أنها موجودة، فنحن نريد إيجادها في هذا العصر وفي جماعة المسلمين وفي مجتمعهم المسيَّر بالإسلام. أمّا أن توجد حينئذ عند القادة أو عند عامة الناس، فهذا شيء آخر، ولكنها تصدر عن الأذكياء، وقلما تصدر عن الأغبياء.
فالموضوع كله عبارة عن علاج واقع، وليس إيجاد شيء من عدم. فالواقع الموجود هو أن تربة سرعة البديهة غير موجودة، فالمراد هو إيجادها، أي إيجاد هذه التربة أولاً وقبل كل شيء. لذلك كان لا بد من إدراك الواقع، وإدراك ما عليه الناس، ثم بعد ذلك يعالَج هذا الواقع، ويعالَج ما عليه الناس. فالواقع هو وجود التفكير البطيء، ووجود فكرة الدرس والتمحيص ، وهذا وحده كاف لإماتة فكرة سرعة البديهة، فلا بد من إماتة فكرة الدرس والتمحيص بشكل عام، حتى توجد فكرة سرعة البديهة. فالتربة والمناخ هما المقصودان أولاً وقبل كل شيء، ثم بعد ذلك توجد سرعة البديهة.
فما سبق وقلناه عن إيجاد سرعة البديهة هو وإن كان أفكاراً توجدها، ولكنه على أي حال لا بد له من تربة سرعة البديهة، ومناخها. وهذا يتعلق بالتربة والمناخ، مهما تعددت الأفكار، فالتربة والمناخ هي الأصل. والتربة والمناخ هما متعلقان بالنفس، وبالنظرة إلى الأشياء. فالتربة هي أن تكون النفس مهيئة للعلاج، مدركة لخطر المرض، والمناخ هو أن يوجد رأي عام في ذلك. فالموضوع في أساسه هو النظرة إلى أشياء الحياة، فإذا كانت النظرة هي أن كل شيء يحتاج إلى رأي ودراسة وتمحيص، فإن سرعة البديهة، أي سرعة التفكير لا يمكن أن توجَد ولا بحال من الأحوال، لأن كون الشيء يحتاج إلى درس وتمحيص يبعد سرعة البديهة. فلا بد من زوال هذه النظرة أولاً من النفوس، ولا بد من تغييرها تغييراً جذرياً ثم بعد ذلك يجري العلاج. فالأصل هو التربة، أي النظرة الأساسية لأشياء الحياة، فيجب تغيير هذه النظرة، وبذلك توجد التربة. أمّا تغير هذه النظرة فهو ليس بالشيء الهين، فإن الناس تعوّدوا على التفكير بالأشياء، ورأوا أن هذا التفكير هو الموصِل للرأي الصحيح، فصار لا بد لهم من التفكير.
والتفكير سواء أكان بطيئاً أو سريعاً هو الأصل المفضل، بل الأصل المرجى. ولذلك لا يصح أن يسلط العلاج على التفكير، لأنه خلاف الواقع، وخلاف المطلوب، بل يجب أن يسلط على نوع التفكير، هل يكون بطيئاً أو سريعاً. لذلك تُترك قداسة التفكير وتُشجَّع، ولكن يؤخذ عليه البطء في التفكير، وبالتالي البطء بالنتائج، فيحصل على العلاج. فالنفوس لا يصح أن تُصرف عن التفكير، بل يجب أن توجَّه إلى سرعة التفكير. وبذلك نكون قد أوجدنا فكرة سرعة البديهة، حين نوجِد سرعة التفكير، أي حين نحوّل التفكير نفسه إلى سرعة، أي نجعله سريعاً. أمّا كونه يوجد أو لا يوجد، فذلك شأن آخر لا حاجة لنا بالتعرض إليه، لأنه ليس محل بحث، ولا هو مقصوداً.
وعلى ذلك فإن واقع المشكلة يملي علينا كيف نسلك السبيل إلى إيجاد التربة، ثم إلى إيجاد المناخ. فواقع المشكلة هو أن الناس يقدسون التفكير، ويرونه في المرتبة العالية، وأن الدرس والتمحيص هو الذي يجب أن يكون. فواقع المشكلة هو الدرس والتمحيص، لذلك يسلَّط العلاج على هذا الواقع، فهو علاج له. لذلك لا يصح أن يكون العلاج هو التفكير نفسه، بل يكون للدرس والتمحيص. فليس كل شيء يفكَّر به يحتاج إلى درس وتمحيص، فالتفكير الآلي يضره الدرس والتمحيص، فهذا كرسي وهو شيء من أشياء الحياة، فلا يصح أن يدرس ويمحص، بل يقال عنه إنه كرسي فقط ولا يزاد على ذلك، فهو وإن كان مفهوماً أي شيئاً، فإن واقعه يأتي ظاهراً بمجرد ذكر اسمه، فلا يدرس ولا يمحص، بل يكفي فيه ذكر اسمه، أي مجرد التفكير، دون درس وتمحيص. وما يقال عن التفكير الآلي يقال كذلك عن كثير من الأفكار. فالدرس والتمحيص لكل شيء هو الخطأ، بل الصواب هو النظرة إلى أشياء الحياة، نظرة موضوعية، فإن كان الشيء يحتاج إلى درس وتمحيص يدرس ويمحص، وإن كان لا يحتاج لا يصح أن يدرس ويمحص. بهذا نصل إلى العلاج، ثم نصل إلى سرعة البديهة.
فالظروف المحيطة بالشيء هي التي تقرر إذا كان يحتاج إلى درس وتمحيص أم لا يحتاج إليها. فمثلاً كون الغرب قد جعل لبنان واسرائيل رأسي جسر على حوض البحر المتوسط الشرقي، المتاخم للبلاد الإسلامية، أمر مقرر ولا شك فيه. ولكن هدم رأس الجسر هذا هل يحتاج إلى درس وتمحيص أم لا، فالظروف هي التي تقرر ذلك. فإذا كانت الظروف توحي أن الغرب غافل عن رأس الجسر هذا، ويمكن هدمه بلا مشقة، ففي هذه الحال يكون الدرس والتمحيص معوّق ومؤخّر عن الهدم، أو هو بصالح العدو أكثر منه في صالح الأمّة. لذلك يُنظر إليه نظرة حقيقية، ففرقٌ بين أن يكون الغرب قد أقام رأس الجسر هذا وغفل عنه، وبين أن يكون قد خشي من هدمه، ولم يجر هدمه بعد. ففي حالة غفلته لا يحتاح الأمر إلى تفكير، ولكنه يحتاج إلى سرعة العمل، أي إلى سرعة البديهة. وحين يكون الغرب قد حشد قواه لمنع هدم رأس الجسر، فإنه في هذه الحالة يجب أن يُدرس الأمر ويُمحص، وما لم يُدرس ويُمحص فإن الهلكة واقعة. لذلك فإن المسألة ليست مسألة درس وتمحيص، بل مسألة ظروف، فإن كانت الظروف تقتضي الدرس والتمحيص، لا بد من الدرس والتمحيص، وإن كانت الظروف لا تقتضي ذلك، لا يصح أن يُفكَّر بالدرس والتمحيص، بل يُنتقل إلى سرعة العمل من جراء سرعة البديهة في الإدراك، لذلك كانت الظروف هي الحكم.
هذه واحدة، أمّا الثانية، فيجب أن يوجد عند الأذكياء حب السرعة في التفكير، فلا يكتفون بفحص الظروف ليعرفوا هل هذا الأمر هو من النوع الذي يدخله الدرس والتمحيص أم لا. بل يجب أن يتعودوا على سرعة التفكير، وذلك بعدم التعرض أمامهم للدرس والتمحيص، بل التعرض إلى نوع التفكير، وهم بطبيعة ذكائهم ميالون للسرعة في التفكير والسرعة في الحكم والسرعة في البت بالأمور. وهذا وحده كاف لمعاملتهم معاملة خاصة، أو معاملة شاذة، فالأصل هو أن كل شيء يُنظر فيه: إن كان في حاجة للتفكير، أي للدرس والتمحيص يُدرس ويُمحص، وإن كان ليس في حاجة لذلك لا يصح أن يدرس ويمحص لِما في درسه وتمحيصه من ضرر وتأخير. أمّا الأذكياء فيقال لهم إن كل فكر لا بد من السرعة فيه، فهم يعامَلون معاملة خاصة أو معاملة شاذة، وبذلك يساعدون على القفز بسرعة من التفكير البطيء إلى التفكير السريع، أي إلى سرعة البديهة، فيقلدهم غيرهم وبذلك تكون معاملتهم معاملة خاصة، أو معاملة شاذة أفادت لا بشأنهم وحدهم بل أفادت إفادة عامة، وهذا هو المطلوب.
والحاصل، يؤخذ المجتمع ككل ويُنزع منه فكرة الدرس والتمحيص، وذلك عن طريق ضرب الأمثلة في كل ما يحتاج إلى درس وتمحيص، وما لا يحتاج إليه، وإذا كان ذلك في الشيء الواحد في حالتين مختلفتين يكون أحسن. ولكن الأذكياء من المجتمع وهم بارزون ومعروفون يعامَلون معاملة خاصة، وشاذة، فيسهُل بذلك علاج المجتمع، لأن المهم هو إزالة الدرس والتمحيص، أو إزالة هذه الفكرة من النفوس، سواء أزيلت بالطريقة المعروفة، وهي التفريق بين ما يحتاج إلى درس وتمحيص وبين ما لا يحتاج لذلك، أو أزيلت عن طريق معاملة الأذكياء معاملة خاصة، وشاذة، لأن المهم هو إزالة فكرة الدرس والتمحيص من النفوس، ومهما كانت السبل التي تُسلك لهذه الازالة.
فإذا وُجدت التربة أو أُوجدت، وإذا كان الوثوق بإيجاد التربة قد وصل إلى حد الإركان، فإن إيجاد المناخ أمر سهل. لأنك إذا لم تستطع أن توجِد المناخ فإن الإركان إلى أن الدرس والتمحيص لم يكن ولن يكون، فإن هذا وحده يوجِد المناخ. فإيجاد التربة يوجِد المناخ. ويجب أن لا نُعني أنفسنا بإيجاد المناخ أي بإيجاد الرأي العام ضد الدرس والتمحيص، بل يكفي أن نجعل المجتمع، ولا سيما الأذكياء فيه، يُقلِعون عن فكرة الدرس والتمحيص. فإزالة فكرة الدرس والتمحيص في كل شيء هي حجر الزاوية، فإذا ضُربت وأزيلت حصل العلاج، وإذا لم تُضرب ولم تُزل فإن كل علاج يكون عبثاً إن لم يكن مُضِراً.

حقيقة سرعة البديهة

بغض النظر عن التفصيلات، وعن مقومات سرعة البديهة، فإن حقيقتها هي سرعة التفكير وسرعة الحكم. فإذا قالت المرأة لأمير المؤمنين عن زوجها بأنه قوّام الليل صوّام النهار، فإن سرعة إدراك أن ذلك شكوى عليه، وسرعة الحكم على هذا بأنه شكوى، فإن ذلك هو سرعة البديهة، فلم تكن سرعة البديهة موجودة عند أمير المؤمنين فاعتبر ذلك مدحاً لزوجها، ولم يدرك ولم يحكم على قولها بشيء. وكانت عند أحد الحاضرين سرعة البديهة، حين أسرع بإدراك أن هذا الكلام من امرأة على زوجها ليس مدحاً له وإنّما هو شكوى، وأسرع في الحكم على هذا الكلام أنه شكوى، لذلك كانت عنده سرعة البديهة.
فحقيقة سرعة البديهة هي سرعة الإدراك للكلام أو للعمل، أو لأي شيء، وسرعة الحكم عليه بأنه كذا، فهذه السرعة بالإدراك، وبالحكم، هي سرعة البديهة. وقد يتبادر للذهن أن سرعة الإدراك هي سرعة الحكم، ولكن الواقع هو أن سرعة الإدراك تهييء للحكم وليست هي الحكم، فكون الشخص أدرك من هذا الكلام أنه شكوى، هذا تهيئة للحكم عليه بأنه شكوى، وليس هو الحكم، بل هو مجرد إدراك، والإدراك قبل صدور الحكم لا يقتضي أي عمل، ولا أي رد فعل، بل هو مجرد إدراك. فإذا حصل الحكم حصل العمل، وحصل كل شيء، فالأصل والنتيجة هو الحكم وليس الإدراك. فالإدراك هو مجرد عملية عقلية. فإن الرجل الذي كانت لديه سرعة البديهة أدرك أن هذه تتكلم عن زوجها، وأدرك أنها تكلم أمير المؤمنين، فحصلت عنده العملية العقلية في إدراك أن هذا شكوى، فحَكَم عليها بأنها تشكو زوجها. فالحكم كان نتيجة الإدراك، والإدراك كان مجرد عملية عقلية.
فإذن لا بد من سرعة الحكم وسرعة الإدراك قبل الحكم حتى تكون سرعة البديهة. لذلك فإن سرعة البديهة هي سرعة الإدراك، وتليها مباشرة سرعة الحكم. فتوجَد بذلك سرعة البديهة. فحقيقة سرعة البديهة هي سرعة الإدراك وسرعة الحكم، بحيث تكون سرعة الإدراك مهيئة للحكم أو لسرعة الحكم، ولذلك لا بد أن تكون متقدمة عليه، ولا تكون متأخرة عنه، ولا يستغني عنها الحكم، وإن كان وجودها يعني وجود الحكم.
فإذا كان لا بد من الإدراك، فكذلك لا بد من الحكم. فإذا وُجد الإدراك وُجد الحكم حتماً. فالأصل هو الإدراك. فلو أدرك عمر بن الخطاب أن المرأة تشكو على زوجها، لسمع كلامها بأنه شكوى، ولكنه سمعه بأنه مدح، لذلك لم يلتفت إلى شكواها، فظلت الحال كما هي، ولم تنفع شكواها، لأنها وإن شكت، ولكنها شكت بلغة لم يفهمها المشكو إليه، لذلك لم تُسمع شكواها. فنتج عن عدم وجود سرعة البديهة لتلك الشكوى، إلغاء تلك الشكوى، وعدم الالتفات إليها، فكأنها لم تكن. لذلك كان لا بد من إدراك أنها تشكو، لا أنها تمدح حتى يتحقق فهم الشكوى، وهذا كثير. خاصة عند أولئك الذين يخجلون من الشكوى الصريحة، أو يخافون من رد الشكوى، لذلك لا بد من أن تكون سرعة البديهة مفهومة لدى الناس حتى يحققوا أغراضهم. فغرض المرأة هو رفع الضيم عنها، ولا يرفع الضيم إلاّ أمير المؤمنين. وغرض عمر بن الخطاب بوصفه أمير المؤمنين هو رفع الضيم عن الناس. ولكنه وهو لم يفهم أنها تشكو على زوجها، فلم يحقق غرضه برفع الضيم، بل ظل الضيم كما هو، فظل الزوج يقوم الليل ويصوم النهار، وظلت المرأة محرومة من العشرة الزوجية. وأمير المؤمنين سمع هذه الشكوى ولم يفهمها، فلم يحقق غرضه، لم يرفع الضيم، فكان من جراء عدم وجود سرعة البديهة إبقاء الضيم، أو الوقوع في الخطر. لذلك لا بد من فهم حقيقة سرعة البديهة، وأنها سرعة الإدراك، وسرعة الحكم. وما لم تُفهم على هذا الوجه، فإنها لا توجد، ويترتب على ذلك بقاء الضيم، أو الوقوع في الخطر، لذلك لا بد من إدراك حقيقة سرعة البديهة حتى توجد.



أثر سرعة البديهة في الأمّة

الأمّة عبارة عن مجموعة من الناس تجمعها عقيدة واحدة انبثق عنها نظامها. وما دام هذا هو تعريف الأمّة، فإن الفقهاء من الأمّة، سواء كانوا عرباً أم أتراكاً أم عجماً، لأنها كلها تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها. وأمير المؤمنين من الأمّة، لأنه تجمعه مع الناس عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها. وأفراد الناس من الأمّة، ولو كانوا أفراداً، لأنه يجمعهم مع الناس عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها. والشعب وإن كانت القومية أو القبلية تجمع أفراده، والكيان الذي لهم هو خير جامع، فإن سرعة البديهة وإن كانت توجد بين أفراده ولكنها لا توجد للشعب ولا للكيان، لأنه لا مفهوم للشعب، إذ لا مفهوم للقومية ولا للقبلية حتى تكون لها أشياء تنبثق عنها، لأن الشيء الذي لا ينبثق عنه مفاهيم تكون نظاماً للحياة، لا يمكنه أن يعطي جميع الناس بأسلوب واحد، لأنه يختلف فهمهم للشيء، ولذلك لا أثر لسرعة البديهة لدى الشعوب، ولا لدى الكيانات، لأنه وإن كان لها نظام، ولكنه لا ينبثق عن المفهوم العام، وإن كان يمكن أن يكون موجوداً لدى الجميع، ولكنه وهو لا ينبثق عن المفهوم العام، فإنه لا يصلح لأن تتأتى لديهم سرعة البديهة. فالفرد أو الأفراد حتى تُربى فيهم سرعة البديهة لا بد أن تجمعهم عقيدة ينبثق عنها نظام. لذلك فإن العرب كعرب والأتراك كأتراك والعجم كعجم، لا يمكن أن يوجد لديهم جميعاً ولا لدى أي واحد منهم سرعة البديهة وتأثيرها عليهم، لأنه لا يوجد بينهم رابط، سوى رابط الدم، ورابط الكيان، وكل منهما لا يتأتى أن ينبثق عنه نظام، لذلك لا يمكن أن تُربى فيهم سرعة البديهة.
وإذن سرعة البديهة تُربى عند الأمم وتؤثر في الأمم، فلا تربى في الشعوب، ولا تؤثر فيهم. وإذن في تربية سرعة البديهة وتأثيرها لا بد أن يكون في أفرادهم جزء من الأمّة، وذلك حتى يتأتى انبثاق نظام عن عقيدة يعتقدونها. فالعرب بوصفهم شعباً، وعلى أساس القومية، لا يمكن أن تربى فيهم سرعة البديهة، ولا يكون لها تأثير فيهم. فلا بد من وجود عقيدة ينبثق عنها نظامها حتى تربى سرعة البديهة ويكون لها أثر.
ذلك أن الكلام أو العمل يتجه نحو مفهوم لرفع الضيم أو التخلص من الخطر، وهذا المفهوم هو الذي تحصل فيه سرعة الإدراك وسرعة الحكم. فمثلاً شكوى المرأة من زوجها، راجع لمفهوم هو إنصاف المرأة وإعطاءها حقها. وهذا المفهوم من النظام الذي ينبثق عن العقيدة، فإذا لم يكن هذا المفهوم موجوداً فأين تأتي سرعة البديهة، وبالتالي أين يكون أثرها؟ ومثلاً إدراك سائق السيارة أن السائل هو بنزين، راجع لمفهوم هو أنه لا يصح أن يكون في الخطر، فإذا فُرض أنه من الذين لا يبالون، فإن المفهوم لا يوجَد له به، وبالتالي لا يدرك السائل ما هو لأنه لا شأن له به.
فالمفهوم هو الذي يحمل على الإدراك، وهو الذي يوجد له أثر. هذا المفهوم إذا كان منبثقاً عن عقيدة جازمة، كان له أثر، وإذا لم يكن كذلك لا يكون له أثر. لهذا لا بد لتربية سرعة البديهة وإيجاد أثر لها، أن يكون ذلك في أمّة وفي أفراد من الأمّة، أي لا بد أن يرجع إلى مفهوم منبثق عن عقيدة جازمة. ومن هنا جاء القول بأن تربية سرعة البديهة وإيجاد أثر لها لا بد أن يكون في أمّة، أي لا بد أن يكون في مجموعة من الناس تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها. أمّا ما يشاهَد مما يطلق عليه البعض سرعة البديهة، في كيانات مثل الأقاليم المنفصلة، فإنه سرعة ملاحظة، وليس سرعة بديهة، لأن سرعة البديهة هي سرعة الإدراك وسرعة الحكم على شيء مرتبط بمفهوم منبثق عن عقيدة جازمة. أمّا سرعة الملاحظة فهي غير سرعة البديهة، لأنها سرعة ملاحظة الشيء نفسه، لا سرعة ملاحظة ارتباطه بمفهوم. وهو وإن كان يشتبه مع سرعة البديهة ولكنه غير سرعة البديهة، وهو يمكن أن يوجد في كل إنسان، ولكنه ليس سرعة البديهة. فسرعة البديهة تربى في الأمّة، ولها تأثيرها في الأمّة، فكونه في الأمّة شرط من شروط التأثير، وهو شرط كذلك للتربية والإيجاد. لأن العقيدة التي تنبثق عنها أنظمة ومفاهيم، شرط أساس لأن يوجد التأثير. فمثلاً حين تربى سرعة الإدراك وسرعة الحكم، لا بد أن يكون ذلك حسب مفهوم، فهذا المفهوم حتى يكون مدرَكاً عند الجميع لا بد أن يكون منبثقاً عن عقيدة يعتقدها الجميع، وهذا لا يتأتى إلاّ في الأمّة، وهذا حين يوجَد عند الجميع يكون أثره على الجميع. لذلك لا سبيل للبحث عن أثر سرعة البديهة في الأمّة، إلاّ إذا كانت أمّة، أمّا إذا كانت شعباً أو كيانات فإنه يصعب تربية سرعة البديهة فيه وبالتالي، لا يكون لها أثرها.
والغرب حين أدرك أن الأمّة الإسلامية تجمعها عقيدة، فإنه حاول فصل المفاهيم عن العقيدة، ومع الزمن فصل بعض المفاهيم، ومنها مفاهيم معينة، فصارت سرعة البديهة غير معني بها، وبالتالي انعدمت ولم يوجد لها أثر. فحتى نعيد للنفوس سرعة البديهة، لا بد من إحياء المفاهيم ووصلِها بالعقيدة، أي لا بد من ربط العقيدة بمفاهيم الحياة، أي بالأنظمة، وحينئذ توجد سرعة البديهة عند الناس، وتربى فيهم سرعة البديهة، ويكون أثرها موجوداً بشكل عفوي.
فسرعة البديهة، وهي سرعة الإدراك وسرعة الحكم، يكون أثرها في الأمّة بمقدار فهم الأمّة للمفهوم، وفهم الأمّة للمفهوم وتركيزه في نفسها يكون بربطه بالعقيدة، وحينئذ يربى في الأمّة سرعة البديهة بشكل طبيعي، ويكون أثرها في الأمّة قوياً بمقدار قوة ربط المفهوم بالعقيدة. فمثلاً: القضايا السياسية، وقضايا العلم والمعرفة، وقضايا الحرب والنضال، وما شابه ذلك، كله قضايا غير مرتبطة بالعقيدة، لأنها قضايا تتعلق بالإنسان كإنسان، وقضايا تتعلق بالخطر والحياة، فهذه يمكن أن يقال عنها إنها غير مرتبطة بالعقيدة، ويمكن أن يقال عنها كل شيء. لكن الواقع أن هذه القضايا متعلقة بالإنسان كإنسان، والإنسان لا بد أن يكون لديه أساس عن الحياة حتى يدرك حقائقها، وأساس الحياة هو العقيدة، لذلك لا بد أن يكون لهذه الأمور أصل في الأساس أي ارتباط بالعقيدة. لذلك فإن هذه الأشياء فيها سرعة الإدراك وسرعة الملاحظة، أي فيها سرعة البديهة، وهي إذا لم تُربط في الأساس الذي تقوم عليه الحياة، أي إذا لم تُربط بالعقيدة، كان فيها سرعة الملاحظة فقط، ولم يكن فيها سرعة البديهة، فحتى توجد فيها سرعة البديهة لا بد أن تُربط بأساس الحياة، أي لا بد أن تُربط بالعقيدة، وحينئذ توجد سرعة البديهة. أمّا قبل ذلك فهي سرعة ملاحظة فقط.
فمثلاً في حادث رؤية السائل وإدراك أنه بنزين، رُبط ذلك بالخطر الذي ينجم عن مواصلة السير بنفس الاتجاه، فإذا كان المدرِك للسائل بأنه بنزين مسلماً، جرى ربط ذلك بالعقيدة التي تحذر من الخطر فيغير اتجاهه ولا يندفع نحو السائل. فيكون ذلك سرعة بديهة لأنه ربط بالعقيدة، ولو ربطاً آلياً. أمّا إذا كان المدرك غير مسلم فإنه لا يربط ذلك بالعقيدة فتتكون عنده سرعة الملاحظة فقط فيتجنب الخطر بأي شكل من الأشكال.
ومثلاً في حادثة عمر بن الخطاب أدرك أحد الحاضرين من كلام المرأة أنها تشكو وأنها لا تمدح. وإدراكه ذلك من كون المتحدث إليه هو أمير المؤمنين، وكون المرأة تقول زوجي، فربط ذلك بالعقيدة التي تجعل حق الزوجة على الزوج مقدماً على حق الله بالعبادة والصيام، أي بالقيام والصيام، فربط كون المتحدث إليه هو أمير المؤمنين، وكون المرأة تقول زوجي، ربط ذلك بما تمليه العقيدة، من كون حق العبد مقدَّماً على حق الله، فكان ذلك سرعة بديهة، وليس سرعة ملاحظة فقط، لذلك كان هذا من العقيدة، فكان سرعة بديهة لا سرعة ملاحظة فقط.
ومن هذين المثالين يتبين بوضوح أن تأثير سرعة البديهة إنّما يكون في الأمّة التي تجمعها عقيدة واحدة، ولا يكون بالشعب، وفي الشعب، لأنه يكون سرعة ملاحظة فقط لا سرعة بديهة. وعلى هذا فإن تأثير سرعة البديهة إنّما يكون في الأمّة لا في الشعب، وإذا كان في الشعب، أي لم يُربط بالعقيدة التي تجمع الناس، فإنه يكون سرعة ملاحظة فقط ولا يكون سرعة البديهة، وعلى ذلك فإنه إذا أريد التأثير، في إيجاد سرعة البديهة لدى الناس، فيجب أن يكون ذلك في الأمّة لا في الشعب، فالتأثير لا بد أن يكون في الأمّة. فتأثير سرعة البديهة في الناس إنّما يكون في الأمّة، ولا يكون في الشعب، ولا يكون له أي تأثير إذا لم يكن هناك جامع. وهذا هام جداً من ناحيتين: الناحية الأولى, هي كونه يلزم عند العمل لإيجاد سرعة البديهة. والناحية الثانية: ناحية التأثير في الناس. أمّا ناحية التأثير في الناس فظاهرة ظهور الشمس، ذلك أن التأثير إنّما يكون بإدراك شيء قد أملاه الجامع في الأمّة، أو انبثق عنه، أي أملته العقيدة التي تجمع الناس، فإذا لم يكن ذلك موجوداً فكيف يتأتى له إدراك ما يعنيه، لأنه لا يوجد لديه ما يدل أو يشير إلى ما يعنيه. لذلك لا يوجد تأثير. والإدراك ضروري لسرعة البديهة. فإذا لم يكن إدراك ولو كانت السرعة موجودة فإنه لا توجد سرعة البديهة، فسرعة البديهة هي الإدراك السريع للقصد، ولا يتأتى ذلك إلاّ بالربط. صحيح أنه قد يأتي من الإدراك السريع فهم قصد السامع، ولكن ذلك يكون سرعة ملاحظة لا سرعة بديهة.
فمثلاً لو كنت تعرف أن المحقق يريد أن يعرف من أنت، وسألك سؤالاً، فإنك تدرك من واقع الحال بسرعة أنه يريد من هذا السؤال أن تجاوب بما يجعله يدرك من أنت، فتجيب بسرعة ما يفوت عليه غرضه لأنك أدركت غرضه من واقع الحال بربطه بالسؤال. ولكن ذلك سرعة ملاحظة، لا سرعة بديهة، فإدراكك السريع كان من معرفتك قصده، لا من معرفتك ما ينبثق عن العقيدة التي تجمع بينك وبينه، لذلك كان هذا الإدراك سرعة ملاحظة لا سرعة بديهة، لأنه لم يُربط بالعقيدة وما ينبثق عنها لتعرف قصده، وإنّما نجم عن معرفتك قصده من واقع الحال. لذلك كان سرعة ملاحظة لا سرعة بديهة.
هذا علاوة على أن معرفة القصد من غير العقيدة، وما ينجم عنها أو ينبثق عنها هو معرفة ناقصة، لأنها تؤخذ من واقع الحال، أو من أشياء أخرى، وهذه قد تكون صحيحة الاستنتاج وقد لا تكون، وقد تدل على ذلك وقد لا تدل، لذلك كانت ناقصة، فلا تؤدي إلاّ إلى سرعة الملاحظة لا سرعة البديهة. لأنها سرعة إدراك الواقع، وربطه بغير ما يربط به، فكانت ناقصة حتماً، لأنها خالية من الربط بما يجمع بينك وبينه من عقيدة، بل خالية من الربط كلية، وإذا رُبطت فإنّما تُربط بغير العقيدة، وهذا وإن صح إدراكه بسرعة، ولكنه يبقى سرعة ملاحظة، لأنه إدراك للواقع بسرعة، وليس إدراكاً لما ينبثق عن العقيدة.
فمعرفة قصد المتكلم لا تتأتى من سرعة الملاحظة، لأنها تكون معرفة ناقصة، بل تتأتى من الربط، وهذا الربط هو الذي يعطي قصد المتكلم بسرعة، وبالتالي يعطي سرعة البديهة. هذا هو الواقع، وهذا يدل على أن التأثير إنّما يكون في الأمّة لا في الشعب.
والحاصل أن تأثير سرعة البديهة في الناس، تأتي من سرعة إدراكهم للواقع مع ربطه بالعقيدة، وما ينبثق عنها. فإدراكهم للواقع وحده يعطي سرعة الملاحظة، ولكن ربطه بالعقيدة هو الذي يعطي سرعة البديهة، وإن كان القصد يُعرف في كل حال. فقصد المتكلم يمكن إدراكه من واقع الحال، ولكن إدراكه هذا يظل ناقصاً حتى يُربط بالعقيدة وما ينبثق عنها، فإذا رُبط بذلك كان صحيحاً وكاملاً، وإذا لم يُربط كان ناقصاً.
لذلك لا بد من أمرين اثنين: أحدهما سرعة إدراك الواقع، وهذا يوجِد سرعة الملاحظة، وهذا عام يكون في الأمّة ويكون في الشعب. والثاني أن يُربط بالعقيدة وما ينبثق عنها، وهذا خاص بالأمّة، وهو الذي يوجِد سرعة البديهة بالتأكيد. لذلك لا بد أن يُقصد التأثير في الأمّة لا في الشعب، لأنه يؤثر عليها تأثيراً واضحاً فتصبح عندها سرعة البديهة طبيعية، لأن الربط هو ضرورة من ضرورات سرعة البديهة، وبغير الربط بالعقيدة لا تكون سرعة البديهة. لذلك لا بد أن يُقصد التأثير في الأمّة عن طريق العقيدة، أو عن طريق ما ينبثق عنها من أحكام وأفكار.

الفرق بين سرعة البديهة وسرعة الملاحظة

إن سرعة البديهة وسرعة الملاحظة تأتي كل منهما من أمر واحد هو سرعة الإدراك. إلاّ أن سرعة البديهة تأتي بنتائجها، فالمرأة حين قالت لعمر إن زوجي قوّام الليل صوّام النهار، والمرأة حين أعطت التفاحة للرسول عليه السلام وقَسَمها قسمين، ثم أعطاها أحد القسمين. ففي مثال المرأة التي شكت لعمر، فَهِم الأعرابي الموجود مع عمر أنها شكت زوجها ولم تمدحه. هذا الفهم أن هذه شكوى وليست مدحاً هو سرعة بديهة. أمّا المرأة التي أعطت الرسول التفاحة، فإنها قصدت أن تعرف الحيض، ففَهِم الرسول قصدها، وأجابها عن قصدها. فهذه سرعة الملاحظة وليست سرعة بديهة، ذلك أن الرسول فهم من إعطائه التفاحة أنها أرادت الحيض، فهذه سرعة الملاحظة، وإن كانت مبنية على سرعة الإدراك. فسرعة الملاحظة هو أن تفهم قصد القائل أو الفاعل بسرعة، وسرعة البديهة هي أن تفهم قصد القائل أو الفاعل بسرعة ولكن الفرق بين الاثنين هو أنك في سرعة البديهة تفهم قصد القائل من كلامه، ولكن كلامه أو فعله فيه عدة دلالات، فتفهم واحدة منها، فهذه سرعة البديهة. أمّا سرعة الملاحظة فإن القائل أو الفاعل يعمّي كلامه ولكن لا يقصد إلاّ شيئاً واحداًَ، فتفهمه، ففهمك له هو سرعة ملاحظة وليس سرعة بديهة. فالكلام أو الفعل، يدرَك بسرعة، ويشترك في ذلك سرعة البديهة وسرعة الملاحظة، ثم بعد ذلك يفترقان، فإذا كان قصد القائل أو الفاعل هو شيئاً واحداًَ ولكنه يغمض كلامه أو فعله، فهذا سرعة ملاحظة، ولكن حين يقصد عدة أمور ولكنه يغمض هذه الأمور، فهذا سرعة بديهة وليس سرعة ملاحظة. فتعمية الكلام أو الفعل يؤدي إلى سرعة الملاحظة، أمّا تعمية القصد فإنه يؤدي إلى سرعة البديهة.
فكلا الأمرين: سرعة البديهة وسرعة الملاحظة لا يمكن أن يوجدا إلاّ من سرعة التفكير، ولذلك لا يوجدان إلاّ عند الأذكياء. لكن هذه السرعة في الإدراك لا تؤدي إلى شيء، والشيء هو إما سرعة ملاحظة أو سرعة بديهة، فإن كانت التعمية أو الغموض في الكلام أو الفعل، كانت سرعة ملاحظة، وإن كانت التعمية أو الغموض في القصد من الفعل أو من القول كانت سرعة البديهة. لذلك كان قول المرأة لعمر إن زوجي قوّام الليل صوّام النهار قد عمّت فيه قصدها وجعلته غامضاً، أمّا إعطاء المرأة التفاحة للرسول فإنها عمّت الفعل ولم تعمِّ القصد، أي أن الذي كان غامضاً هو الفعل وليس القصد، لذلك كان فعل المرأة مع الرسول سرعة ملاحظة، وكان فعل المرأة مع عمر سرعة بديهة.
هذا هو الفرق بين الاثنين في جعل القصد غامضاً فيكون سرعة بديهة، أو في جعل الكلام أو الفعل غامضاً فيكون سرعة ملاحظة، والمراد هو تربية سرعة البديهة، وليس تربية سرعة الملاحظة.

كيفية إيجاد سرعة البديهة

سرعة البديهة إما أن يُعمل لإيجادها بالأفراد، أو يُعمل لإيجادها في الأمّة. فالعمل لإيجادها بالأفراد يوجِدها فيهم ولكن لا يوجدها في الأمّة، أمّا العمل لإيجادها في الأمّة فإنه يوجِدها في الأفراد حتماً، لأن الأمّة هي مجموع الأفراد بجامع العقيدة التي ينبثق عنها نظام للحياة، لذلك لا بد أن يكون العمل لإيجاد سرعة البديهة لدى الناس حتى لدى الأفراد، أن يكون عملاً في الأمّة كلها، فتتحدث عن كيفية إيجاد سرعة البديهة في الأمّة، ومنها يوجد في الأفراد شيء اسمه سرعة البديهة.
وإيجاد سرعة البديهة في الأمّة يبدأ بنقل العقيدة من كونها مجرد بحث أساس، إلى كونها فكرة سياسية، أو فكراً سياسياً، ويسير حتى يصل إلى أن ما ينبثق عنها من أحكام وما يُبنى عليها من أفكار، إنّما هو فكر سياسي. ومتى وصلنا إلى هذا نبدأ سرعة الإدراك. فأولاً لا بد من البدء بجعل العقيدة فكراً سياسياً، ثم بجعل الأفكار التي تُبنى عليها فكراً سياسياً.
أما جعل الأحكام التي تنبثق عنها فكراً سياسياً فإنه يأتي من جعل العقيدة فكراً سياسياً، لذلك لا نعني أنفسنا بها أي بالأحكام، بل ما دام قد أصبح للعقيدة ذاك الطابع السياسي فإنه طبيعيا لا بد أن تكون الأحكام التي تنبثق عنها ذات طابع سياسي، فالأصل هو جعل العقيدة فكرة سياسية، أو فكراً سياسياً. وهذا على أي حال بدأتَ به هو الأساس، سواء بدأت به بالعقيدة، أو بالأحكام التي تنبثق عنها.
فمثلاً كون العقيدة الإسلامية هي لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، يعني أنه لا معبود إلاّ الله، فتَرعى شؤون الأمّة ومنها شؤونك أنت بأنه لا معبود إلاّ الله، فلا ترضى لنفسك أن تعبد غير الله، أو تكون عبداً لغير الله، وهذا يرفعك في الأمّة وبين الناس، لأنهم وهم لا يرون الله ولا يعرفون حقيقته، يكبُر عليهم أن تأبى عبادة من يعرفونه من الناس، فترتفع بذلك في نظرهم. فكلمة لا إله إلاّ الله بمعنى لا معبود إلاّ الله، إذا صارت فكرة سياسية غيّرت نظرتك إلى الناس، وغيرت نظرة الناس إليك، فإذا انتقلت إلى محمد رسول الله، تقيدت بما جاء به من عند الله، أي تقيدت بأحكام الشرع، فإذا تقيدت بها وجعلت رعاية شؤون الناس بحسبها، أي عملتَ بها وحملتَ الناس أن يعملوا بها، نقلتَها إلى فكرة سياسية، وبذلك تكون نقلتَ العقيدة كلها إلى فكرة سياسية، أو فكراً سياسياً.
هذا إذا بدأت بالعقيدة وحوّلته إلى فكر سياسي. أمّا إذا بدأتَ بالأحكام، فإن ذلك يبدو أسهل وأقرب إلى إيجاد سرعة البديهة، فإن الذي يجمع بينك وبين الناس هو العقيدة، ولكن بما ينبثق عنها من أحكام، فإذا أخذتَ هذه الأحكام معتمداً على إيمانهم كان الواقع وحده دالاً على سرعة الإدراك وسرعة الربط، فإن السامع في مجلس عمر بن الخطاب للمرأة وهي تشكو زوجها لأمير المؤمنين، لم يُعْنِ نفسه بالعقيدة الإسلامية، لأنه يعرف أنها وأمير المؤمنين يعتقدانها، بل عنى نفسه بما يربط ذلك مما ينبثق عنها وهو تقديم حق الزوجة على حق الله تعالى، فهو قد اكتفى بذلك وربط ما حصل عنده من سرعة الملاحظة بهذا الحكم المنبثق عن العقيدة، فكانت لديه بهذا الربط بالحكم فقط سرعة البديهة، ولم يحتج إلى الربط بالعقيدة، لأنه يعرف أن المرأة تعتقد هذه العقيدة، وأنها تشكو أمرها لأمير المؤمنين لأنه يعتقد هذه العقيدة. فالرجل كانت لديه سرعة البديهة من الربط بالحكم الشرعي، لا من العقيدة ثم الربط بالحكم الشرعي.
لذلك كان إيجاد سرعة البديهة من الأحكام الشرعية أي مما ينبثق عن العقيدة أسهل وأقرب منالاً. لهذا فإن إيجاد سرعة البديهة عند الناس إنّما يكون بجعل الأحكام الشرعية أفكاراً سياسية بها تُرعى الشؤون وبها وحدها يكون الخطاب. ولكن ذلك مرهون بمعرفة أن الناس يعتقدون ما تنبثق عنه أحكام الشرع، وهو العقيدة. فلو كنت ترعى شؤون الناس في مصر مثلاً، فإن أهل مصر مسلمون، وهم جميعاً يعتقدون العقيدة الإسلامية، فإذا أردت أن توجِد فيهم سرعة البديهة، فما عليك إلاّ أن تجعل الأحكام الشرعية أفكاراً سياسية، وحينئذ توجِد سرعة البديهة في مصر. أمّا إذا أردت أن توجدها في فرنسا مثلاً، فإنهم لا يعتقدون العقيدة الإسلامية، فلا بد أن تسير أولاً بجعل العقيدة الإسلامية فكراً سياسياً، وحينئذ توجِد سرعة البديهة فيهم ولكن ببطء وبشكل متتابع. فهناك فرقٌ بين أن تعمل في فرنسا وأن تعمل في مصر. ولكن بما أننا إنّما نريد إيحاد سرعة البديهة في البلاد الإسلامية، فإن حديثنا إنّما يكون بالأحكام التي تنبثق عن العقيدة، فإن ذلك أسرع وأسهل لإيجاد سرعة البديهة.
فلإيجاد سرعة البديهة لدى الناس لا بد أن يُبدأ أولاً وقبل كل شيء بجعل الأحكام الشرعية فكراً سياسياً، وهذا سهل وميسور، فالناس يعتقدون العقيدة الإسلامية ويتقيدون بها وبأحكامها، فما عليك إلاّ أن تجعل لديهم الفكرة أن هذا حكم شرعي، وأن ما ينبثق عن العقيدة يجب التقيد به، كما يجب التقيد بالعقيدة، لأن الإيمان والكفر إنّما يكون بالتقيد بأحكام الشرع أو عدم التقيد بها، فمتى وُجد ذلك في الناس صار أمر تحويل الأحكام إلى فكر سياسي راجعاً إليهم، ومتمكناً منهم، فصاروا هم الذين يجعلون الأحكام الشرعية فكراً سياسيا. فما عليك إلاّ التنبيه والإرشاد، لذلك كان جعل الأحكام الشرعية فكراً سياسياً أمراً ميسوراً لكل إنسان، لأنه لا يحتاج إلاّ إلى الملاحظة والإرشاد.
فمثلاً الحريات العامة، إذا رأوا أن ذلك يخالف العقيدة، أو لا ينبثق عنها، سهُل عليهم تركه، ولا تحتاج إلى عناية لتركه. أمّا إذا ظل عندهم أنه ينبثق عن العقيدة، أو لا يخالفها، فإنه من الصعب عليهم تركه ولو كان فكراً سياسياً، لأنه مربوط بالعقيدة التي يعتقدونها. فلا بد من أن يفهموا أنه ليس آتياً من العقيدة، وهو مخالف لها، ولا ينبثق عنها، وبدون ذلك لا يمكن أن يتركوا الحريات العامة.
ومثلاً كون النصراني كافراً، وكون الخمر حراماً، وكون سيطرة الكفار لا تجوز سواء أكانوا غربيين أم شرقيين، وكون تقيد الحاكم بالحكم الشرعي فرضاً، كل ذلك ومثله سهل إدراكه بمجرد ربطه بالعقيدة. فتلاوة قول الله: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) كافٍ لجعل المسلم يعتبر أن النصراني كافر، وتلاوة قول الله: (فهل أنتم منتهون) كافٍ لمعرفة آية الخمر وأنها محرّمة، وتلاوة قول الله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) مع شرحها يعطي معرفة جازمة بأن سيطرة الكافر لا تجوز، وتلاوة قول الله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم) مع تلاوة قول الله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، يجعلك تعتقد أن عدم تقيد الحاكم بحكم الشرع هو إثم أو كفر.
فالموضوع في رعاية الشؤون عن طريق الأحكام الشرعية أمر في غاية البساطة في البلاد الإسلامية، وإذا كان هو أول الطريق فإن النجاح فيه سهل ومضمون، ولذلك فإن العمل لسرعة البديهة أي لإيجاد سرعة البديهة عند الناس أمر سهل لأنه يبدأ بالأحكام الشرعية وتحويلها إلى أفكار سياسية، وهذا سهل وميسور.
يبقى الأمر الثاني وهو إيجاد سرعة الملاحظة، أو الإدراك السريع للواقع، وما يدل عليه، فهل هو المعني بسرعة الملاحظة. فإنه يحتاج إلى تربية وإيجاد، ولا يكفي فيه لفت النظر. ففرقٌ بين الإدراك السريع للواقع، أي إيجاد سرعة الملاحظة، وبين إيجاد سرعة البديهة. فما سبق من أقوال إنّما تنصب على إيجاد سرعة الملاحظة وإن كانت مسوقة لإيجاد سرعة البديهة، لأنها هي التي توجِد سرعة البديهة. وهي وإن كانت الركيزة الأولى ولكنها تعتبر الثانية في سرعة البديهة. لأن ربطها بالعقيدة وما ينبثق عنها، أو ربطها بالأحكام الشرعية هو الذي يوجِد سرعة البديهة.
وإيجاد سرعة الملاحظة وحده لا يكفي، ولا يوجِد سرعة البديهة، وإن كان الركيزة الأولى فيها، بل لا بد من معرفة القصد للمتكلم، وهذا القصد إنّما يُفهم من الربط بالحكم الشرعي الذي يفهمه، ويعرف أنه ينبثق عن العقيدة. لذلك كان لا بد أن يكون الجامع موجوداً للربط به ومعرفة القصد، ثم يوجد حينئذ ما يسمى بسرعة الملاحظة. فالكلام الذي يقال، والواقع الذي يحصل، وإن كان هو الذي يوجِد سرعة الملاحظة، ولكنه ما لم يُربط بالجامع، فإنه لا يكون لدى السامعين سرعة بديهة.
وعلى ذلك، فإن أمّة كالأمّة الإسلامية إذا تمكنت من تحويل الفكرة إلى فكر سياسي، فإن ما يحصل يومياً من وقائع إذا ربَطَتها بما ينبثق عن عقيدتها، كانت لديها سرعة البديهة. فالمسألة إذن في سرعة البديهة، وإن كانت ظاهراً متعلقة بسرعة إدراك الواقع، أي إيجاد الملاحظة أو سرعة الملاحظة، ولكنها قبل ذلك وبعد ذلك متعلقة بتحويل الفكرة والحكم الشرعي إلى فكر سياسي. لذلك فإنا نمر مرّ الكرام بما يسمى سرعة الملاحظة، أو بسرعة إدراك الواقع وما يدل عليه، ونركز الاهتمام كله على تحويل الفكرة الإسلامية والأحكام الشرعية إلى فكر سياسي.
لذلك فإن إيجاد سرعة البديهة في الأمّة أو في الأفراد، إنّما يكون أولاً وقبل كل شيء، بجعل الرأي الإسلامي رأياً سياسياً، ثم بعد ذلك توجد سرعة البديهة. فسرعة البديهة لا بد من إيجادها، ولا بد أن يكون هذا الإيجاد على أساس الإسلام، فالرأي الإسلامي أولاً، ثم جعْله رأياً سياسياً ثانياً، ثم إيجاد سرعة البديهة.
فمثلاً قتال الكفار لأنهم كفار أمر بديهي، وهو حكم شرعي، وأخْذ الجزية منهم هو منْع للقتال، فتؤخذ الجزية لأنه يراد السلام. فأخذ الجزية لأنهم كفار يريدون السلام، وقتالهم لأنهم كفار يريدون الحرب، فقتالهم لأنهم كفار، وأخذ الجزية لأنهم كفار يريدون السلام. فهنا رأي إسلامي ويراد أولاً تحويله إلى رأي سياسي، لا لرأي فقهي، وبعد ذلك أي بعد أن يُفهم متى يقاتلون، ومتى يسالمون، وحينئذ تلزم سرعة البديهة لمعرفة حالهم. فسرعة البديهة ضرورية لمعرفة حالهم، وهذا يتأتى إما من أفعالهم وإما من اقوالهم. لذلك لا بد من أن يكون الرأي رأياً إسلامياً أولاً، ورأياً سياسياً بعد ذلك، ثم إنجاز سرعة البديهة. فسرعة البديهة ضرورية، ولكن على أساس الإسلام، أي على أساس الحكم الشرعي. وغير ذلك وإن كان يمكن أن يكون سرعة بديهة، ولكننا لا نقبله ولا نشتغل به، فنحن نقبل فقط الرأي الإسلامي، وما عداه لا نقبله ولا نشتغل به.
أمّا الرأي الإسلامي فهو الأساس، وسرعة البديهة لازمة لهذا الرأي الإسلامي. فحتى حادثة رؤية البنزين في الشارع حصلت سرعة البديهة من إدراك أنه بنزين، ولكن الخطر وتصور الخطر أن يأتي من الرأي الإسلامي، فالله قد نهى عن الخطر، ونحن إذ نهرب من الخطر إنّما نهرب بحكم الشرع، ولا نهرب لمجرد السلامة، وهكذا باقي الأمثلة. فالرأي الإسلامي أولاً وقبل كل شيء، ثم تأتي سرعة البديهة.

24 من ذي القعـدة 1396
16/11/1976

147


-1-

‏ليست هناك تعليقات: